وحي القلم

أسطورة صائد الساحرات

بقلم عابدي مليح*

الشعوذة موضوع قديم وجديد

لا يختلف اثنان حول الأذى النفسي والجسدي الذي تلحقه الشعوذة وغيرها من الأعمال القذرة والشائنة بحياة بالأفراد والمجتمعات؛ ومما يزيد من بشاعة هذه الظاهرة هو تعايش المجتمع معها واعتبارها في بعض الأحيان جزءا من الموروث الثقافي والشعبي لبلادنا، كل ذلك نتاج  لتفشي الجهل والأمية والفقر في أوساط المجتمع المغربي، وأصبح بلدنا للأسف – مضربا للأمثال في هذا الاتجاه، لدى البلدان المجاورة، وهناك من يذهب بعيدا ويعتبرها تجارة قائمة الذات تُدر على ممتهنيها الملايين!

هل قضاء الشارع هو الحل؟

مناسبة هذا الكلام ما راج مؤخرا من أشرطة فيديو لشاب بمدينة سلا أطلق عليه لقب صائد الساحرات، هذا البطل الخارق كما يدعي مؤيدوه، انتشرت صوره وفيديوهاته كالنار في الهشيم، وتمت الإشادة به من طرف الكبار والصغار نظير ما قام به من فضح للفساد والشعوذة؛ مما يدفعنا إلى طرح التساؤل التالي: هل يجوز للأفراد التعدي على الحرية الشخصية للآخرين والتشهير بهم من أجل تطبيق القانون بأيديهم؟ بغض النظر عن حسن نيتهم من عدمها؟

إطلالة سريعة على الفيديوهات التي أطلقها هذا الشاب الذي عمد إلى اقتناص نسوة  وهن بصدد الدخول إلى منزل يدعي أنه لساحرة وقام بتصويرهن عنوة دون رضاهن، وأرفق ذلك التسجيل بوابل من الشتم والسباب الممزوج بكلمات تغرف من القاموس الديني كإزالة المنكر، والأجر عند الله وغيرها..، بل وصلت به الوقاحة في بعض القطات إلى التدخل باستعمال يديه لدفعهن من أجل تصوير وجوههن بوضوح ولسلبهن ما يحملن من متاع!!

بطل من ورق

إلى حد الآن قد تبدو الأمور عادية لعامة الناس ما دام أن هذا الشخص يريد إزالة المنكر بلسانه ثم يده، لكن ما أغفله الشاب وأغفله كذلك مؤيدوه؛ هو أنه تجاوز حريته ليتعدي على حرية الآخرين دون وجه حق، وتقمص أدوار خاصة بالسلطات العمومية من شرطة ودرك وسلطة محلية، وليست من اختصاصه، لأن فتح الباب أمام عموم الناس من أجل الدفاع عن أرائهم وقناعاتهم بتلك الطريقة؛ فيه خرق سافر للقانون، وسيؤدي بالبلاد لا محالة إلى التخبط في الفوضى والركون إلى شريعة الغاب عوض شريعة القانون، حيث يعمد القوي إلى إيذاء الضعيف! وهذا أمر غير مستحب خاصة في المجتمعات الإنسانية المتحضرة،

القانون فوق الجميع

لقد كان حريا على الشاب المندفع أن يسلك القنوات المشروعة، كرفع الشكاوى والتظلمات إلى الجهات المختصة والاستعانة بهيئات المجتمع المدني، كالجمعيات الحقوقية وغيرها إن لزم الأمر؛ لكنه للأسف اختار سلوك أسهل الطرق من خلال الاستعانة بهاتف خلوي لتدمير حياة نسوة، كان بالإمكان إرجاعهن إلى جادة الصواب، إن هن أخطئن الطريق فعلا!

الحاجة إلى نقاش عمومي جاد

اندفاع شاب يافع يدعي الطهرانية، رغم أن ملابسه ووشومه وسبابه لا يوحي بذلك، وتبريره لأفعاله – المُجَرمة قانونا – برغبته في إزالة المنكر، يفتح الباب على مصراعيه أمام موضوع قديم وجديد، ألا وهو قضاء الشارع، والذي  طالما كان مادة دسمة للنقاش العمومي، وتم الخروج بتوصيات لم تجد بعد نفسها نحو مسطرة التشريع، وبالتالي سن قانون صارم ورادع لهذه الفئات، التي تستعين بقواميس دينية أو ثقافية من أجل فرض توجهاتها على المجتمع..

*إطار وباحث في القانون

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أرسل رسالة عبر تطبيق Messenger الخاص بك
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock