ثقافة وفنون

الذئاب الجائعة

بقلم: سعــــاد المدني

وكلما رفعت الشمس راية الاستسلام، ونسج الليل قميص الصمت الجميل، وافترق العاشقان في يوم ممطر حزين، وودعت العروس بفستانها الأبيض بيت أسرتها المليء بالحب والحنين، وعادت الأم متعبة بعد يوم عمل عصيب، وأنهت الفرقة الموسيقية معزوفة الألم والأنين، وفي خضم المفترقات ونهاية الروايات، تسربت خيوط الذكريات، وتجهش الجدران بالبكاء شوقا لحكايات جدتي، ثمانينية العمر ربيعية التفكير.

لطالما عشقت هدوءها الغريب، وابتسامتها الشجنة، وتضاريس تجاعيدها التي تحكي مغامراتها العشرينية وتمردها على الزمان والمكان، وثورتها على الدقائق والثواني، وحروبها ضد الأيام والسنين.

أتذكر جيدا سردها الشيق، ومحكيها الجميل، لأحداث تدفعني للتساؤل، هل جدتي عاشت هذه القصص؟ أم عايشتها؟ أم هي فقط من وحي خيالها؟ أم هي سمفونية توقظنا من براءة الزمن وسذاجة الأفكار تعزف من خلالها رنيم الألم، وتضمد جراح الغدر، سيوف الخيانة المغروسة في ذاكرتها.

لم ادري ما سر حبها لقصة الظبية الصغيرة التي قررت المضي وحدها في طريق الغابة بعيدا عن القطيع. وتكرارها لنا كلما تحولقنا حولها لنلتحف دفئ  كلماتها، ونحتضن حروفها الذهبية، ونستنشق عنبر  أمثالها.

تردد بحسرة، هي ظبية صغيرة عيونها واسعة سوداء، قرونها ناعمة محاطة بحلقات مُتدرّجة اللّون؛ ذيلها قصير، وشعرها ناعم وصقيل، وأُذُناها صغيرتان، وفروُها بنيّ فاتح لامع، تسر الناظرين.

وفي ضوء النهار ووجع والانفصال، وأسى الغربة، وحرقة الفراق، مضت الظبية في طريقها بعيدا عن القطيع، متوجهة نحو الغابة التي رسمتها جنة في مخيلتها.

بأشجارها العالية المثمرة، ورحيق أزهارها اليانعة المتفتحة، وخرير مياهها، وزقزقة عصافيرها، وطيبة حيواناتها وتنوعها.

وما أن وطأت حوافرها الغابة، حتى تعرفت على الكثير من الحيوانات منها، البرمائيات والتديات والرخويات والمفصليات والاسفنجيات والحلقيات، وغيرها الكثير، كي يحط بها الرحال بين ثلة من العصافير والأرانب والقطط، حيوانات ناعمة في شكلها، كنعومة طفل صغير بعد الولادة، هل هي بالفعل ناعمة؟ أم الظبية تعاني من عسر في نظر.

تجري بين الأشجار العالية، وتعلو ضحكاتها أرجاء المكان، تقفز بين الحفر وتلقي التحية على كل من صادفته من الحيوانات صغيرها وكبيرها، قويها وضعيفها، بقلب أبيض وابتسامة بريئة مرسومة على محياها.

 لطالما التحفت قميص الأمان الذي حاكته أيادي القطيع، واحتمت بدفء حضن الغزال، وارتوت حلاوة حنان الخنساء….

وحين أرخى الليل سدوله انقلبت الجنة إلى جهنم تغلي نيرانها، وتحولت الحيوانات الناعمة إلى زومبي جائع مرعب، يفتك الأخضر واليابس، وتغيرت وجوه الحيوانات من عصفورة تطرب المسامع، إلى كوبرا تنفت السم في عين ضحيتها، ومن أرنب لطيف يقفز إلى عقرب خطير يلدغ، ومن أسد قوي شجاع، إلى ثعلب ماكر جبان.

لعاب يسيل وعيون ثعلبية، وأنياب تنتظر الفرصة فقط لتنقض عليها، وتنهش لحمها الطرية، وذئاب جائعة متعطشة لدماء.

كل يبين عن مخالبه، يترقب لحظة الافتراس فقط.

تتأمل هي  في حزن وصمت رهيب، تنطق بحروف متلعثمة ألم ترو ظبية قط في حياتكم؟ أم انا الظبية الوحيدة في هذه الغابة؟.

تراقبون تموجات فروي، وتضاريس جسدي النحيل، وتفاصيل حوافري الصغيرة، كأنكم ولأول مرة ترون صغير غزال.

غيبتم حقي في الحياة، وقيدتم حريتي في العيش بعيدا عن القطيع، خنقتم رغباتي في المضي قدما، وجلدتم براءتي، لوثتم صورتي عن الغابة الجميلة المليئة بالإزهار، وخرير المياه، وضحكات الحيوانات، التي تراقص السحاب.

علمتموني الغدر، والخبث، أذقتموني رغيف الكيد والحقد الضغين، نسفتم أحاسيسي، ومزقتم ثقتي بأي حيوان، ولو كان أمين، حرقتم سذاجتي، وصنعتم جدارا عاليا سميكا، بين قلبي والواقع الأليم…..

تصيح عاليا ابتدعوا عندي فلستم أهلا لهذا الجسد الجميل، لا تقتربي أيتها الذئاب الضالة من لحمي الأصيل، تخيلي ما شئت فبيني وبينك آلاف الأمتار والسنين، وفي الواقع سأضل نجمة مضيئة رغم هذا الجرح الدفين……

تصمت جدتي وتنظر إلينا باسمة، تنتظر أسئلتنا كي تمطر عليها، هل أكل الذئاب الظبية، هل أنقدها القطيع؟

تجيبنا ضاحكة: تذوقوا يا أحبائي الكلمة، وتلذذوا بالحرف، وتجرعوا مرارة المعنى.

 وإياكم الذئاب الجائعة، فليس كل من مد يد العون صديق، ولا من ابتسم في وجهك رفيق…

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أرسل رسالة عبر تطبيق Messenger الخاص بك
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock