وثيقة 11 يناير 1944 ملحمة بارزة في مسلسل مناهضة التسلط الأجنبي على المغرب وموعظة للأجيال

ماروك دايلي: خاص

يحتفي الشعب المغربي من طنجة إلى الكويرة، اليوم الأربعاء بالذكرى 73 لتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، باعتبارها محطة من المحطات المضيئة في التاريخ المغربي الحافل بالانتصارات التي تحققت بفضل النموذج الفريد لتلاحم العرش العلوي المجيد والشعب المغربي الوفي. فالمحطة التي نقف عندها اليوم، هي محطة تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، التي تعتبر التتويج التاريخي لتطور القناعة المشتركة، بين الملك والحركة الوطنية، فالتحولات السياسية الذاتية والموضوعية، الداخلية والخارجية، باتت جاهزة للانتقال إلى مرحلة أرقى في مسلسل النضال الوطني.. ألا هي تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944 من أغلى الذكريات الوطنية الراسخة في قلوب المغاربة، لما لها من مكانة عظيمة في الذاكرة الوطنية، وما تمثله من رمزية ودلالات عميقة، تجسد انتصار إرادة العرش والشعب والتحامهما الوثيق دفاعا عن المقدسات الدينية والوطنية. وشكل تقديم هذه الوثيقة حدثا كبيرا، ومنعطفا حاسما في تاريخ المغرب الحديث، لما حملته هذه الوثيقة من مبادئ مازالت روحها تغذي عزيمة الشعب المغربي، وركزت الوثيقة على استقلال المغرب في ظل الوحدة الترابية للمملكة، وإرساء ملكية دستورية وديمقراطية، تضمن الحريات الفردية والجماعية، والمساهمة في الحياة الدولية بشكل يحترم سيادة المغرب.

وجاءت الوثيقة تتويجا لنضال طويل من المقاومة المسلحة، فالحماية فرضت على المغرب سنة 1912. والوجود الأجنبي كان وضع أقدامه هنا وهناك في مستهل القرن الماضي، لكنه لم يعم كل البلاد، إلا بعد مخاض عسير وصل إلى سنة 1934 وحتى سنة 1936.

مضمون الوثيقة

وثيقة 11 يناير 1944

الحمد لله

إن حزب الاستقلال الذي يضم أعضاء الحزب الوطني السابق وشخصيات حرة:

حيث إن الدولة المغربية تمتعت دائما بحريتها وسيادتها الوطنية وحافظت على استقلالها طيلة ثلاثة عشر قرنا إلى أن فرض عليها نظام الحماية في ظروف خاصة. * وحيث أن الغاية من هذا النظام والمبرر لوجوده هما إدخال الإصلاحات التي يحتاج إليها المغرب في ميادين الإدارة والعدلية والثقافة والاقتصاد والمالية والعسكرية دون أن يمس ذلك بسيادة الشعب المغربي التاريخية ونفوذ جلالة الملك.

* وحيث أن سلطات الحماية بدلت هذا النظام بنظام مبني على الحكم المباشر والاستبداد لفائدة الجالية الفرنسية ومنها جيش من الموظفين لا يتوقف المغرب إلا على جزء يسير منه وأنها لم تحاول التوفيق بين مصالح مختلف العناصر في البلاد. * وحيث أن الجالية الفرنسية توصلت بهذا النظام إلى الاستحواذ على مقاليد الحكم واحتكرت خيرات البلاد دون أصحابها. * وحيث أن هذا النظام حاول بشتى الوسائل تحطيم الوحدة المغربية ومنع المغاربة من المشاركة الفعلية في تسيير شؤون بلادهم ومنعهم من كل حرية خاصة أو عامة. * وحيث أن الظروف التي يجتازها العالم اليوم هي غير الظروف التي أسست فيها الحماية. * وحيث أن المغرب شارك مشاركة فعالة في الحروب العالمية بجانب الحلفاء وقام رجاله أخيرا بأعمال أثارت إعجاب الجميع في فرنسا وتونس وصقلية وكرسيكا وإيطاليا، وينتظر منهم مشاركة أوسع في ميادين أخرى وبالأخص لمساعدة فرنسا على تحريرها. * وحيث أن الحلفاء الذين يريقون دماءهم في سبيل الحرية اعترفوا في وثيقة الأطلنتي بحق الشعوب في حكم نفسها بنفسها، وأعلنوا أخيرا في مؤتمر طهران سخطهم على المذهب الذي بمقتضاه يزعم القوي حق الاستيلاء على الضعيف. * وحيث أن الحلفاء أظهروا في شتى المناسبات عطفهم على الشعوب الإسلامية ومنحوا الاستقلال لشعوب منها من هو دون شعبنا في ماضيه وحاضره. * وحيث أن الأمة المغربية التي تكون وحدة متناسقة الأجزاء تشعر بما لها من الحقوق وما عليها من واجبات داخل البلاد وخارجها تحت رعاية ملكها المحبوب وتقدر حق قدرها الحريات الديمقراطية التي يوافق جوهرها مبادئ ديننا الحنيف والتي كانت الأساس في وضع نظام الحكم بالبلاد الإسلامية الشقيقة.

يقرر ما يأتي:

أ‌- فيما يرجع للسياسة العامة:

أولاً: أن يطالب باستقلال المغرب ووحدة ترابه تحت ظل صاحب الجلالة ملك البلاد المفدى سيدنا محمد بن يوسف نصره الله وأيده.

ثانياً: أن يلتمس من جلالته السعي لدى الدول التي يهمها الأمر الاعتراف بهذا الاستقلال وضمانه، ولوضع اتفاقيات تحدد ضمن السيادة المغربية ما للأجانب من مصالح مشروعة.

ثالثاً: أن يطلب نظام المغرب للدول الموافقة على وثيقة الأطلنتي والمشاركة في مؤتمر الصلح.

ب‌- فيما يرجع للسياسة الداخلية: رابعاً: أن يلتمس من جلالته أن يشمل برعايته حركة الإصلاح الذي يتوقف عليه المغرب في داخله، ويكل لنظره السديد إحداث نظام سياسي شوري شبيه بنظام الحكم في البلاد العربية الإسلامية في الشرق تحفظ فيه حقوق سائر عناصر الشعب المغربي وسائر طبقاته وتحدد فيه واجبات الجميع، والسلام.

وبإعلان عن الوثيقة بكل قوة في 11 يناير 1944. فردت سلطات الحماية على إصدار الوثيقة بعنف أعمى معتقلة بعض الزعماء الوطنيين، واستعملت الدبابات في قمع المظاهرات الشعبية المؤيدة لمضمون الوثيقة، ونتج عن الأحداث مئات القتلى والجرحى وآلاف المعتقلين وإغلاق عدد من المدارس…

الموقعون على الوثيقة:

تقديم عريضة الاستقلال يوم 11 يناير 1944 إلى السلطان والمقيم العام وإلى مختلف ممثلي الحكومات  الحليفة في الرباط (انجلترا- الولايات المتحدة الأمريكية) والمفوضية السوفييتية بعاصمة الجزائر، وقد اجتهد في تحرير هذه الوثيقة ثلة من الوطنيين هم: أحمد بلافريج عبد الله إبراهيم محمد اليزيدي وعمر بن عبد الجليل ووقعها ستة وستون شخصية مغربية من بينها امرأة، مليكة الفاسي . وإليكم أسماء الموقعين:

أحمد بن ج الطاهر مكوار – محمد بن العربي العالمي – الحسن بن جلون – محمد بن عبد الرحمن – السعداني – عبد السلام السماري – محمد البوعمراني – مليكة الفاسي – الطاهر زنيبر – أحمد الشرقاوي – أحمد المنجرة – الحاج الحسن بوعياد – أحمد الحياني – محمد غازي – محمد بن الجيلالي بناني – عبد الله إبراهيم – قاسم بن عبد الجليل – أحمد اليزيدي – عبد الكريم بن بهلول – الصديق ابن العربي – محمد الرفاعي – الحفيان الشرقاوي – الهاشمي الهلالي – محمد السردي – عبد الكبير الفاسي – عبد الهادي الصقلي – محمد بن الخضير – إدريس المحمدي – عمر بن عبد الجليل – عبد الجليل القباج – قاسم الزهيري – عبد الله بن عمر – عبد القادر حسن – محمد الزغاري – أحمد بن دلّة – العيساوي السطامي – أحمد أباميني – محمد الغزاوي – عمر ابن شسي – مسعود الشبكي – عبد الوهاب الفاسي – محمد البقالي – محمد الفاطمي الفاسي – الحسين بن عبد الله الورزازي – عبد الحميد بن مولاي أحمد – أحمد بن بوشتى – أحمد بن شقرون – ناصر بن الحاج العربي – محمد اليزيدي – محمد الديوري – عبد الله الرجراجي – أبو بكر الصبيحي – محمد الجزولي – عمرو بناصر – محمد بن عزي – أحمد بلافريج – عبد العزيز بن إدريس العمراوي – أبوشتى الجامعي – محمد الخدلوي – بوعنان جورير – أبو بكر القادري – عبد الرحيم بوعبيد – المهدي بن بركة – عبد الكبير الفهري الفاسي – مبارك بن أحمد – محمد الفاسي.  

11 يناير 1944 الرموز والدلالات

شكل 11 يناير بداية مرحلة جديدة في تاريخ الحركة الوطنية المغربية، إذ أن تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال يعني انتقال الحركة الوطنية المغربية من حركة مطالبة بالإصلاحات في ظل نظام الحماية إلى حركة مطالبة بالاستقلال والانعتاق، وشكل نص الوثيقة في حد ذاته حدثا تاريخيا هاما، ذلك أنه لم يقتصر على المطالبة بالاستقلال بل تضمن تصور الحركة الوطنية لأوضاع المغرب بعد الاستقلال .

كما شكلت تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال وبتضافر عدة عوامل لتعزيز موقف الحركة الوطنية ومن ذلك أن الحرب العالمية الثانية زادت من تعميق الوعي الوطنين، خاصة هزائم فرنسا أمام  الألمان أضف أن إلى ذلك أن الحلفاء لم يتمكنوا من إعادة بناء القوات الفرنسية المنهزمة إلا بفضل المغرب.

بيد أن هذه المحطة العظيمة، التي كتبت بماء الذهب في سجل الكفاح الوطني، الذي خاضته شرائح الشعب، دفاعا عن مقدسات الوطن وعزته وكرامته، لم تكن معزولة عما سبقها من أحداث، وما لحقها من تطورات، وإنما كانت تتويجا لمسيرة امتزجت فيها الدموع بالدماء، في مسلسل تضحيات أفراد وجماعات الشعب المغربي المكافح، التي تعتبر التتويج التاريخي لتطور القناعة المشتركة، بين الملك والشعب والحركة الوطنية، مجسدا في التلاحم والبطولات. ويمكن القول، إن الموقف المغربي الذي أفضى إلى تحقيق المراد بوضع حد لعقود الاستغلال والاستعباد، كان يستمد قوته من التلاحم الوثيق بين الملك والشعب، سواء في إطار الحركة الوطنية التي كانت تمارس نضالها الوطني على الساحة السياسية، أو في إطار الحركة التحريرية ممثلة في المقاومة المسلحة من جهة، ومن جهة ثانية في جيش التحرير الذي انطلقت انتفاضته البطولية في أكتوبر 1955، فكانت الشرارة التي آذنت باندحار جحافل الاستعمار، والتعجيل بالانتصار، وانطلق أبناء هذا الوطن البررة المخلصين، يتدافعون ويتسابقون للتضحية والفداء، مما جعل الكاتب الفرنسي المعروف فرانسوا مورياك يكتب معلقا على العملية البطولية للشهيد علال بن عبد الله: “إن الذي يهم أن نعرفه وندركه، هو ما كان يمثله سيدي محمد بن يوسف في أعين شعبه وما بقي يمثله: لقد كان الرئيس الديني من جهة، والمجسد الحي من جهة ثانية لآمال الشباب المتعلم وآمال البروليتاريا في مدن المغرب، ولم يكن في أي يوم من الأيام أقوى مما هو عليه اليوم”….

وكلحظة التحام للأمة، تعكس هذه الذكرى الكفاح الشجاع لشعب توحد وراء ملكه، الذي أشعلت شرارته ثورة الملك والشعب، يوم 20 غشت 1953، كما تشكل مناسبة للأجيال الصاعدة لإدراك حجم التضحيات التي بذلها أجدادهم للتحرر من رقبة الاستعمار واسترجاع المغرب لاستقلاله سنة 1955. وفرصة لتذكير الأجيال بالإنجازات العظيمة للأمة التي يحق لهم الافتخار بالانتماء إليها، وتعريف الجيل المعاصر بما بذله الآباء والأجداد من أجل تسليمه المشعل، لخوض الجهاد الأكبر بروح وطنية تؤكد الاستمرارية

وبعد إرساء ورش التنمية الاقتصادية والاجتماعية، يواصل جلالة الملك محمد السادس اليوم، سيرا على نهج جلالة المغفور لهما محمد الخامس والحسن الثاني، قدس الله روحيهما، هذه الدينامية المتجددة عبر إرساء أسس اقتصاد عصري وتنافسي وتحديث المملكة، وتكريس قيم الديمقراطية والمواطنة.

إن هذه الوثيقة ليست وثيقة أو عريضة عادية أو حدثا عابرا ظرفيا، لكنها ذات انعكاسات ايجابية ومستمرة فهي تدل على قناعة المغاربة قاطبة على مقاومة الظلم والطغيان والاستغلال بجميع أشكاله، وتدل كذلك على الانصهار التام والامتزاج المتين بين الملك والشعب وعلى تلك البصمات القوية للماضي في الحاضر والمستقبل، إن تلكم الوثيقة أضافت معالم الجدية والعقلانية في الوسائل والأهداف لأنها برزت في ظروف حساسة انعدم فيها التكافؤ الحسي والمعنوي بين الجانبين  المتصارعين، فالاستعمار كان قويا بالسلاح والجبروت، أما الشعب المغربي الأعزل فقد كان معتدا كاملا الاعتداد بإيمانه ووثوقه بحقه ومن هذا المنطلق انتزع حقه المشروع، هكذا كان الشعب المغربي المجاهد، وهكذا كان بطل التحرير محمد الخامس.. وفي تلاقي هذه الكينونة، انبثقت ثورة الملك والشعب.. التي استطاعت أن تدحر الجبروت الاستعماري، وتفرض العودة المظفرة لبطل التحرير يوم 16 نوفمبر 1955 حاملا معه بشرى أفول عهد الحجر والاستغلال وبزوغ فجر الحرية والاستقلال.. واليوم ونحن نحتفل بهذه الذكرى الغالية، يعيش الشعب المغربي عهدا جديدا بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله الذي يسير بشعبه نحو مدارج التقدم والحداثة وتحصين المكاسب الديمقراطية، مواصلا مسيرة الجهاد الأكبر وتثبيت وصيانة الوحدة الترابية لبلادنا وإذكاء إشعاعه الحضاري كبلد للسلام والتضامن والتسامح والتعايش والقيم الإنسانية المثلى.

ماروك دايلي: الأستاذ الباحث الحسين البقالي

اترك تعليقك

Please enter your comment!
Please enter your name here