القصبة الإسماعيلية التاريخية بمكناس

القصبة الإسماعيلية بمكناس، نسبة لمؤسسها السلطان مولاي إسماعيل العلوي الذي تولي الملك بين (1672-1727م)، تقع بمدينة مكناس، أسسها السلطان تطبيقا لسياسيته التي تعتمد على أن عظمة الدولة ترتكز على ما تقيم من البناء العظيم، فجعل من مكناس مستقرا لمخزنه وحصنا لقواته، وأشرف بنفسه على تنميق قصورها وتنسيق حدائقها مستعينا بالأسرى المسيحيين، لشغفه بالعمران وبناء القلاع والقصبات إلى آخر حياته، فاختار السلطان موقع قصبته فوق أرض القصبة المرينية القديمة، وأضاف إليها مساحات أخرى جديدة، اشتراها من أصحابها، وابتدأ بناءها في سنة 1672م حسب قول الأسير مويط، وكان طول محيط سورها 25 كلم، حيث ارتبطت مع ضواحيها من الجهات الأربع بأبواب سامقة مقبوة تعلوها أبراج معززة بالمدافع والمهاريس، وتصميم القصبة رسم حسب تخطيط هندسي محكم، يشمل عددا من المرافق تتوزع في داخلها بشكل دقيق، فهناك بنايات مخصصة للسكن والخاصة بالمؤسسات الدينية والثقافية، وبنايات خاصة بمخازن السلطان، واصطبلات الخيول ودور الصناعة، والباحات والمراعي والبساتين والجنان والتجهيزات المائية. وفيما يلي تفاصيل مرافق القصبة:

المباني السكنية : تقع في الجهة الشمالية، وهي المسماة (دار المخزن) أو (المدينة السلطانية)، وهي خاصة بالسلطان ورجال الدولة والحرس والخدم، ويحتوي هذا المجمع الفخم المعروف باسم (الدار الكبيرة) و (قصر المحنشة) و (قصر المدرسة) و (قصبة هدراش) المخصصة لسكنى جيش الودايا و (قصبة باب مراح).

الدار الكبيرة : تشغل مجالا يقدر بنحو 420م طولا و 320م عرضا، وهي أول إقامة شيدها مولاي إسماعيل بعد اعتلائه العرش، ويحدد الزياني موضعها بقوله: (أسس الدار الكبرى العظيمة التي بجوار ضريح الشيخ عبد الرحمن المجذوب، وقد استمرت مدة بنائها 8 أعوام من 1672 إلى 1680م)، وتضم الدار الكبيرة مجموعة من القصور الفخمة وهي:

قصر الستينية: قصر فسيح فائق الجمال ذو المنظر البهيج

قصر النصر: بناه مولاي إسماعيل أيام كان خليفة لأخيه السلطان مولاي رشيد العلوي بمكناس بين (1664-1672)، وعرف هذا القصر بـ(دار لالاباني)،

قصر مولاي زيدان: من قصور الدار الكبيرة

قصر الشعشاع : وكلها ذات طراز هندسي رفيع، فلا يقل قصر عن آخر في الأبهة والزخرف والصنعة.

قصر الكشاشين: كان معدا للطبخ وشؤونه ولخزن لوازمه وسكنى القيمات بمباشرة ذلك.

وتتخلل هذه القصور كلها أزقة مستطيلة الشكل مقبوة ذات أبهة ومهابة في سقوفها كوات ينفذ منها الضوء، وأحاط هذه الدار بثلاث نطاقات من الأسوار الضخمة والأبراج العالية حسب ما ورد عند مويط (الأسير) الذي قال: ولهذا القصر ثلاثة أسوار من جهة الشمال الشرقي، وهي محصنة بأبراج مربعة ومسننة).

وعند الخروج من الدار الكبيرة مرورا بباب الرايس يوجد ممر طويل يسمى (أساراك) ويشتمل على قصري (المدرسة) و (المحنشة) وهما الوحيدان اللذان ما يزالان صالحين لسكنى الحرم الملكي، وقصر المدرسة حسب قول محمد المنوني: جاءت تسميته من وجود مدرسة بداخله، أما القصر الثاني فيبدو أن نعته بالمحنشة أتى من وجود جهاز مائي يحمل هذا الاسم. ويقابل باب القصر الباب الداخلي لقصبة هدراش، ومن قصور القصبة الإسماعيلية أيضا:

قصر المنصور: قصر محمول فوق هري يدعى (سبع قبب) يحتوي على 20 قبة تشرف على سهول وجبال مكناس، ويصفه الزياني قائلا: (وفوق هذا الهري من أعلاه، قصر يقال له (المنصور) لا يقصر ارتفاعه عن 100 ذراع، 50 في الأسفل و 50 في الأعلى فيه 20 قبة، وكل قبة بالبرشلة والقرمود، منها 4 قبب متقابلات سعة كل واحدة 70 شبرا تربيعة وباقي 20 سعة كل واحدة 40 شبرا تربيعة، كل ذلك وسط بستان شاسع الأطراف.

قصر دار لالة صفية: الذي كان بابه في عهد المؤرخ ابن زيدان يقابل باب منصور العلج.

قصر بين القبب: الذي يحدد المؤرخ المذكور موضعه بـ(باب ابن القاري) الداخلي المجاور لجنان السلطان المسمى (البحراوية).

قصر دار البقر: ويتصل بقصر المحنشة والمدرسة ويجاور (باب مراح) ويقال أنه حمل هذا الاسم في عهد السلطان مولاي الحسن الأول العلوي (1873-1894) الذي جعل منه مقرا للبقر الحلوب لتموين داره العلية بالحليب.

قصبة باب مراح: توجد في جوار قصر المحنشة على ميمنة باب الناعورة، وكانت معدة لسكنى وصفان السلطان ولكل وصيف دار يسكنها مع عائلته.

المؤسسات الدينية والثقافية: لم يصرف مولاي إسماعيل همته لبناء قصور قصبته فحسب، بل اعتنى ببناء المساجد فيها ومنها:

جامع الأنوار: القائم على 200 سارية رخامية، وصحن بديع الشكل بهيّ المنظر، رحب المتسع، عديم النظير بالعدوتين، وبوسطه قبة لا مثيل لها، ولم يبق من هذا الجامع إلا بابه الجميل الذي يحاذي باب منصور العلج.

مسجد الرخام: من مساجد القصبة الإسماعيلية.

مسجد لالة عودة: قام مولاي إسماعيل بإحداث تغييرات كبيرة في (جامع لالة عودة) المريني وجعله جزءا من قصبته، وفتح بالقرب من المحراب بابا كان السلطان يدخل منه بعد أداء الفرائض إلى قصر الستينية، ولا يخلو قصر من قصور القصبة من مسجد أو مدرسة،

دويرة الكتب: اعتنى السلطان بإنشاء مكتبة داخل قصبته اشتملت على نحو 12000 مجلد، كان مكانها في قبلة جامع الأنوار في دار تعرف بـ(دويرة الكتب) وصفها العياشي في كتابه زهرة البستان قائلا: ومن محاسن جامع الأنوار خزانة الكتب مشتملة على قبتين مصونة حلقتها بشباك من حديد، قائمة على 4 قوائم رخامية، وبها من الكتب العلمية ألوف عديدة.

المخازن: خصص قسم من القصبة الإسماعيلية لمخازن المؤن منها هري عظيم لخزن الزرع، وكان يشتمل على 345 أسطوانة، وطوله 180م وعرضه 69م، ويقول فيه الزياني: (وجعل بها هريا لخزن الزرع مقبو القنانيط يسع زرع أهل المغرب كله)، وما زالت آثاره قائمة بقرب صهريج السواني.

الإسطبلات: تمتد مرافقها بضعة كلومترات، وفيها 9000 من الخيول، وقد سماها اليفراني: بـ (قصر الخيل) ويصفها الزياني قائلا: وجعل بها إسطبلا لمربط خيله وبغاله، طوله 3 أميال مسقف الدائرة بالبرشلة على أسوار وأقواس هائلة، كل فرس مربوط في قوس وبين الفرس والفرس 20 شبرا، يقال إنه كان مربط 12000، وفي هذا الإسطبل ساقية الماء مقبوة الظاهر وأمام كل فرس محل مفتوح كالمعدة لشربه.

مستودع السلاح: وخلف الإسطبل من جهة السور كانت توجد مسلحة مربعة لإيداع العتاد، وهو بناء شاهق في أسفله عدة أهراء منها (هري سبع قبب) الذي يعلوه قصر المنصور، ويحدثنا جون وندوس عن أحد مخازن السلاح بقوله: (بهذه المخازن طبر مستطيل وفؤوس حربية وأسلحة من جميع الأنواع، من طبنجيات مختلفة الأحجام ذات أنابيب برونزية، وخوذات في صناديق ملفوفة في ورق، وأنواع أخرى من الأسلحة، رأينا هذا العدد الكبير من مخازن السلاح التي لم نتصور أن هذا السلطان يمتلكها).

دور الصناعة: يقول عنها جون وندوس: (قمنا بزيارة ثانية للقصر، فوقفت على غرف واسعة بها رجال وخدام منهمكون في الشغل يصنعون السروج وأغشية المسدسات وأغمدة السيوف، وعندما رأوا السفير أخذوا يشتغلون جميعا مما كوّن أصواتا منغمة رائعة ويظهر أن الصناعة بهذا القصر الإمبراطوري متقنة جدا).

صهريج السواني
صهريج السواني

البساتين والجنان: يشتمل الجزء الأوسع من القصبة على جنان فسيحة في غاية الإبداع مجهز بعضها ببحيرات تجري فيها المراكب الصغيرة، يصفها الأمير عبد السلام قائلا: (وهذه القصور كلها متصلة بعضها ببعض، قد حف بجوانبها بساتين في غاية ما يكون من الهندسة وحسن الغراسة وقد سطر على أطرافها اللرنج والسرو، فجاءت في غاية من الإتقان والأبهة وعظيم الشأن، منها:

بستان المشتهى: الذي كان بجوار الإسطبل، غُرس فيه شجر الزيتون وأنواع الفواكه وكل نبات غريب، مما جعل الشعراء يتغنون بجماله، وهذا البستان هو الذي صار فيما بعد حي الزيتون، وبه بنيت الدار البيضاء، التي أصبحت حاليا الأكاديمية العسكرية، ومنها أيضا

جنان الأثرنجية: كان في غرب (صهريج السواني) ويمتد منحدرا عن الأرض الى باب ابن القاري الداخلي وهو الذي تحدث عنه ويندوس قائلا: (دخلنا روضا كبيرا تحيط به أشجار من السرو، وذلك الروض منحدر عن الأرض 20م يفصل هذا الجنان جدار طوله نصف ميل تقريبا يسمى الإترنجية سعته نحو 5م وفوقه سرائر لدالية العنب وغيره).
عرصة البحراوي : التي كانت تتصل بقصر المدرسة، وجنان الروى وغيرها.

تزويد القصبة بالماء: عمل السلطان مولاي إسماعيل على تزيد قصبته بمصادر ثلاث للماء وهي:

– المصدر الأول: أمر بإصلاح قواديس عين تاكما التي أصابها الإهمال في الفترات السابقة لعهده، وخصص ثلث مياهها للمسجد الأعظم بينما أدخل الثلث الباقي لدار المخزن.

– المصدر الثاني: اختصت به القصبة الإسماعيلية وحدها، وهو الحوض المائي الكبير المعروف بـ(صهريج السواني) طوله 300م وعرضه 140م، وكانت تزوده مجموعة من الآبار، يذكر ابن زيدان أنها كانت في غاية العمق، وذات مياه عذبة طافية، وجعل لكل بئر دولابا عظيما ينقل منه الماء ويصبه في المجاري المعدة له، الى أن يصب في الصهريج، وكانت مياهه تسقي بساتين المخزن وجنانه، وقد حرص السلطان على تحصين تلك الآبار داخل بناية مقبوة (على مقربة من باب الناعورة) وفوقها صقالة (حصن) مستديرة تصوب مدافعها نحو الجهات الأربع للمدينة.

– المصدر الثالث: ماء (واد بوفكران) الذي يعد إدخاله إلى القصبة الإسماعيلية والمدينة القديمة، من أكثر مشاريع السلطان أهمية، فقد حول ماء النهر عند نقطة قرب ضريح سيدي بوزكري، بواسطة ساقية مكشوفة كانت تتفرع عند المحل المسمى بـ(الشرشيرة) إلى ساقيتين، ساقية تتجه نحو الغرب تنقل الماء إلى بساتين المشتهى والروى، وساقية أخرى تسير نحو الشرق فتزود (قصبة هدراش) ثم (الدار الكبيرة)، وشيدت داخل القصبة مجموعة من سقايات السبيل على أهم مناطق المرور كسقاية باب الرايس، وسقاية باب الناعورة. انتهى.

هذه هي القصبة الإسماعيلية، أكبر وأعظم قصبة في المملكة المغربية عامة، تشهد على عظمة مؤسسها، وجلال سلطانه، وفخامة قصره الذي جمعت عناصره الهندسية والفنية والزخرفية النقشية والكتابية بين الفن المغربي والأندلسي.

اترك تعليقك

Please enter your comment!
Please enter your name here