قصة الحصن الذي سجن فيه المولى الشريف وولد فيه المولى إسماعيل.

أكادير تاكوجكالت-  تازروالت

يتواجد “اكادير تاكوجكالت” على بعد 12 كلمتر من مركز جماعة سيدي احمد اوموسى، عبر الطريق الغير المعبدة المؤدية نحو جماعة تيغيرت، وتحديدا قرب دوار ايسكيوار. يعود تاريخ تأسيس الحصن الى فترة الإمارة السملالية بسوس في القرن السابع عشر الميلادي… شهد هذا الحصن أحداث كبرى تركت بصمتها في تاريخ المغرب. ففي هذا المكان سجن مولي الشريف مؤسس الدولة العلوية لمدة أربع سنوات، وهنا أيضا تزوج مولي الشريف بامرأة من الأوداية، وهنا كذلك ولد مولي اسماعيل السلطان الثاني في السلالة العلوية… لكن التاريخ الرسمي يتجاهل هذه الحقائق التاريخية ويمر عليها مرور الكرام.. ماهي قصة حصن تاكوجكالت؟ كيف جرى اعتقال مولي الشريف وسجنه في هذا الحصن؟ أين ولد مولي اسماعيل ومتى؟ أسئلة نجيب عنها في التحقيق التالي….

تحديد التسمية

يطلق السكان المحليون على الحصن تسمية “اكادير ن تغوني” وتعني في اللغة الامازيغية حصن الصخرة، نسبة الى الصخرة التي بني فوقها الحصن. في حين استعمل العلامة محمد المختار السوسي في كتابه “ايليغ قديما وحديثا”،  تسمية “تاكوجكالت” للدلالة على نفس الموقع.. بينما استعمل المؤرخ الفرنسي شارل دو فوكو في كتابه “التعرف على المغرب”، تسمية “اكادير سيدي الحسين” نسبة الى أمير ايليغ آنذاك سيدي الحسين اوهاشم، عوض تسمية “تاكوجكالت”، التي وظفها المختار السوسي وطبعا أهل مكة أدرى بشعابها… واسم “تاكوجكالت” اسم سائد في اللسان الامازيغي بسوس، وهو مؤنث اسم “اكجكال”، ويطلق على الشيء المعلق.. وهناك نوع من الأشجار يسمى “اجكال” لأنه ينبت، عادة، وهو معلق بين الأجراف العالية… ونعتقد أن اسم “تاكوجكالت” أطلق على الحصن المملوك لآل بودميعة، نظرا لكونه موجود في مكان معلق فوق قمة جبل حاد… ولهذا فضلنا استعمال هذه التسمية دون غيرها..

شيء من التاريخ

تناول عدة مؤرخين حصن تاكوجكالت في مؤلفاتهم سواء المغاربة أو الأجانب، وهكذا نجد تفاصيل مهمة عن الحصن في كتابات العلامة محمد المختار السوسي ومنها كتاب “ايليغ قديما وحديثا” حيث نقتبس الفقرة التالية: “اشتهر في الأحاديث أن منشأ ءال بودميعة من حصن تاكوجكالت، هو حصن موجود في قنة الجبل لا يمكن أن يصار إليه من تازروالت بسهولة، ولا يتأتى ذلك إلا من جهة مجاط فقط، أما من غير هذه الجهة فالتسلق إليه من الجبال الشديدة الوعورة صعب.. وهو موضع حصين فوق جبل عال مشرف على بسيط تازروالت شرقا، توفر فيه الماء والحواجز الطبيعية للدفاع، قالوا أنهم لم يزالوا هناك حتى أسس بودميعة مدينة ايليغ، وهذا القول تؤيده الرسوم القديمة، فإن الأراضي التي تسقى بعين تتفجر عند حصن تاكوجكالت قد صارت الآن كلها الى أيدي المجاطيين، ولكن صارت إليهم بالشراء من أفراد هذه الأسرة –بودميعة- وكل من لم يشتري منهم لا يعد ملكه صحيحا، وهذا أمر ذاع وشاع ولا ينكره أحد، هذا مع أن مساكن ءال الشيخ هي قرية الزاوية إزاء مشهده، ولا يمكن عادة أن ينتقلوا منها الى مثل مكان ذلك الحصن إلا لضرورة ماسة.. [1]

كما أورد المؤرخ والراهب الفرنسي شارل دو فوكو معطيات قيمة عن حصن تاكوجكالت خلال زيارته لسوس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، يقول دو فوكو: “تازروالت محكومة مند زمن بعيد من طرف مرابطين ينحدرون من سيدي احمد اوموسى.. زعيم الزاوية وشيخ البلاد في هذه الأثناء هو سيدي الحسين اوهاشم. لديه ثلاث إقامات رئيسية هي: ايليغ، الزاوية، أكادير سيدي الحسين. وهي قلعة مبنية فوق صخرة في قمة جبل حاد، يكدس فيها سيدي الحسين جميع ترواثه.. وأحاطها بالحرس والعسس من كل الأنواع لحمايتها. يتواجد أكادير في حدود نفوذ بلاد الساحل، في مكان لا يمكن الوصول إليه إلا عبر مسلك طويل من الدروج المحفورة في الصخر، مع ارتداء ألف حزام للأحذية.. حيطان القلعة ذات سمك عريض، وأبراجها تعلوها المدافع.. إنها بدون كلل محروسة بحامية قوية من العبيد الطائعين، هنا كان يختبئ المرابط سنة1882 عند اقتراب السلطان العلوي من ايليغ”…[2]

النواة الأولى للإمارة السملالية

وأنت قادم من سيدي احمد اوموسى يظهر أمامك جبل يرتفع بأكثر من ألف متر عن سطح البحر، جبل منفرد وحاد يطل على سهل تازروالت مثل سنام جمل. الجبل تعلوه صخرة ضخمة يصعب الوصول إليها.. وفي أعلى الصخرة، تلوح أطلال حصن قديم، انه حصن تاكوجكالت أو “أكادير ن تغوني”، وهو اسم مستمد من الصخرة التي تحمله.. تكمن خصوصية حصن تاكوجكالت انه حصن خاص تستفيد منه عائلة واحدة هي بودميعة، وليس القبيلة ككل كما هو الحال بالنسبة لجميع اكودار بسوس، التي تعتبر ملكا جماعيا يستفيد الجميع من خدماتها… يقدر المهتمون المساحة المبنية من الحصن الى حوالي ألفين متر مربع، ويتكون من عدة مكونات منها غرف للمراقبة وغرف للإقامة وغرف متعددة الاستعمالات.. وفي سفح الحصن توجد سبع مطمورات مختلفة الحجم، منها أربع مطمورات مخصصة لتخزين مياه الأمطار، بنيت بطرق تقليدية باستعمال الجير وسقفت بشكل مقوس بواسطة الأحجار المصقولة والجير.. هذه المطمورات تعرضت لتخريب كبير، حيث لم تسلم من التخريب سوى مطمورة واحدة لا زالت على حالها، أما الباقي فتعرض لتخريب متنوع… تصل أبعاد المطمورات إلى حوالي مترين في العرض وأربعة أمتار في العرض وعمق يصل الى ثلاثة أمتار وهي موحدة في أبعادها وحجمها… وزيادة على المطمورات الكبيرة لتخزين المياه، يضم الموقع ثلاث مطمورات صغيرة الحجم لم تعد تتوفر على سقوق علوية، ويتراوح طولها متر ونصف وعرضها متر واحد ولا يتجاوز عمقها متر ونيف… ولوحظ أنها مبلطة بشكل جيد ما يوحي أنها تستعمل لتخزين أشياء ثمينة، ربما زيت الزيتون أو الحبوب من قمح وشعير وذرة….

رغم تواجد الحصن في موقع منيع وصعب الولوج فإنه لم يسلم من تهور الإنسان، حيث تعرض لتخريب كبير ولم يعد يضم الحصن سوى عدد قليل من الغرف المسقفة. كما انهارت أبراج المراقبة التي كانت تعلوها المدافع. وتعرضت بعض أجزاء السور الخارجي للهدم وتحطم المدخل الرئيسي للحصن… حسب سكان الدوار المجاور للحصن، فإن الخراب الذي حل بأكادير تاكوجكالت يعود إلى عدة عوامل منها الأمطار العاصفية وتدخل هواة البحث عن الكنوز، الذين عبثوا بكل مرافق الحصن، بالإضافة إلى طيش الرعاة والمتطفلين، الذين يستمتعون برمي الأحجار من قمة الجبل نحو السفح… واستبعد مهتمون أن يكون الحصن تعرض للتخريب خلال حملة مولي رشيد على ايليغ سنة 1671م بدليل أن المؤرخ الفرنسي شارل دو فوكو، الذي زار تازروالت خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أورد في كتابه “التعرف على المغرب” أن “الحصن لا يزال قائما ويستغل كمكان لتخزين خيرات وثروات زعيم ايليغ سيدي الحسين او هاشم”….

معلمة تاريخية في مهب الريح

تعج منطقة تازروالت وامجاض بعدد كبير من الحصون أو “اكودار” كما تعرف محليا، وكما يعرفها المهتمون بالتراث المادي والسياحة الثقافية…  وحسب رئيس جمعية امودو للسياحة المسؤولة والمتضامنة بتزنيت، فإن موقع تاكوجكالت يعتبر جزءا لا يتجزء من الموروث المادي واللامادي لمنطقة مجاط وتازروالت، وهو كذلك كنز من كنوز الثقافة الأمازيغية على المستوى المعماري… ومن يلاحظ الموقع الذي يتواجد فيه الحصن، لا يمكنه إلا أن ينوه بقدرة وعبقرية الناس، الذين بنوه لأنه يوجد في مكان منيع، لقد حاولنا الوصول إليه مشيا على الأقدام لكن بدون جدوى… هذا يبين أن هناك هندسة معمارية روعيت في انجاز هذا الحصن…  ويضيف لحسن بومهدي في تصريح ل”أخبار الجنوب”، أن الحصن يضم عدة مكونات منها مطامير للمياه عددها أربع، وهناك ثلاثة صغرى يمكن أن تستغل لتخزين الحبوب، أو غيرها من وسائل عيش السكان… هدا على مستوى سفح الحصن، لأننا لم نتمكن من الوصول إلى قمة الجبل حيث يوجد الجزء الرئيسي من الحصن.. لذلك يجب تنظيم زيارة للمتخصصين في التراث لهذا الموقع، من أجل نفض الغبار عنه والتعريف أكثر بهذا التراث المادي، في أفق رد الاعتبار لهذا الموقع التاريخي، الذي لا يجب أن يكون حكرا على جهة دون أخرى، بل ينبغي أن يكون ملكية عامة للجميع، شريطة أن يتم اعتماد مقاربة تشاركية في الجانب المتعلق بالترميم والحفاظ على التراث.. مسألة أخرى تتعلق بتثمين التراث لكن بشكل عقلاني دون المساس بشكله وطبيعته ومحيطه الطبيعي، لأنه لا يمكن جلب عدد كبير من الزوار إلى الموقع. فالقمة لا يمكن أن يلج إليها سوى عدد ضئيل من الأشخاص، ويتعين تثبيت لوحات تشويرية للتعريف بمكونات الحصن.. وأكد الفاعل الجمعوي أن هذه البناية لها تاريخ عتيد، لكونها شهدت أحداث كبرى تركت بصمتها في تاريخ المغرب، مما يحتم أن يدرج ضمن مسار سياحي للتعريف بمآثر المنطقة من اجل تعزيز وتنشيط السياحة الثقافية…. من جهة أخرى يرى رئيس شبكة جمعيات امجاض تيزلمي أن رد الاعتبار للحصون الجماعية بالمنطقة خاصة حصني تاغوني و تكجالت وتزكا، يمر أولا عبر التعريف بها وحمايتها والمحافظة عليها من خلال الترميم وتصنيفها ضمن التراث الوطني ثم الإنساني ثم تثمينها من خلال استثمارها في السياحة الجبلية و كدعامة من دعامات التنمية المحلية. وأضاف السيد أحمد لشكر في تصريح ل”أخبار الجنوب” أن مسؤولية رد الاعتبار لهذه الحصون ومن خلالها باقي عناصر التراث المادي للمنطقة تمر عبر تضافر جهود جميع المتدخلين من المجتمع المدني والمجالس المنتخبة ومؤسسات الدولة (وزارة الثقافة، وزارة السياحة، الجامعة، مراكز ومعاهد البحث…

تفاصيل أكثر تجدونها بجريدة “أخبار الجنوب” العدد 53

إعداد: إبراهيم وزيـــد

[1]، محمد المختار السوسي، “ايليغ قديما وحديثا”، المطبعة الملكية، الرباط، الطبعة الرابعة 2005 ص60 ;-61

[2], Charles de Foucault, Reconnaissance au Maroc 1883-1884, librairie coloniale, Paris, 1888,p.342-343

اترك تعليقك

Please enter your comment!
Please enter your name here