ماكرون… اليوطي الصغير

عادة ما يقال أن حركة التحرير في الريف بزعامة محند بن عبد الكريم انتصرت على قوات الاستعمار الإسباني وخاصة في معركة أنوال يوليوز 1921… لكن الحقيقة أن ابن عبد الكريم والريفيين انتصروا انتصارا عظيما على القوات الفرنسية التي تجرعت هزيمة قاسية في مواجهات عديدة بينهما عرفت بحرب ورغة ما بين أبريل ويوليوز من سنة 1925…على التخوم الحدودية الاستعمارية التي كانت تفصل بين المجالين الفرنسي والاسباني. .حيث كان ينوي المجاهد محند بن عبدالكريم الوصول إلى فاس..بعدها شن التحالف الفرنسي الإسباني هجوما قويا استعملت فيه اعتد الأسلحة الفتاكة والمتطورة في أول وأخطر تحالف عسكري أجنبي فوق أرض المغرب لمواجهة حركة تحريرية ضد الاستعمار… أسفرت في النهاية إلى استسلام الأمير محند الخطابي ….

من بين ما أسفرت عنه هذه الحرب أيضا، هو إقالة المارشال هوبير اليوطي، المؤسس الحقيقي والفعلي للدولة المغربية المخزنية الجديدة بعد سنة 1912… هو مهندس ما يعرف في تاريخ الحماية “بالسياسة الإسلامية”.. كان يستعمل بذكاء تقاليد المغرب العتيقة في سياسته الاستعمارية… يظهر على أنه المدافع الأول عن الإسلام وموروث المغاربة وعاداتهم وطقوسهم الدينية… ويصرح بذلك جهارا في الليل والنهار.. ويحضر في المواسم الدينية والأعياد ويحرس على حسن تنظيمها واستمراريتها… في مذكراته كثيرا ما يعبر عن حبه للمغرب وأنه عمل على إعطاء مفهوم جديد مغاير للحماية التي من المفروض ان تساهم في تطوير وتقدم المغرب من خلال تشييد الطرقات والبنيات والمؤسسات الإدارية والاقتصادية العصرية… وذلك بعد فرض الأمن والتهدئة والاستقرار… ويجمل ليوطي أهداف وجوده بالمغرب في تقوية نفوذ السلطان وتوطيد شرعيته الدينية والسياسية والقضاء على جميع معارضيه من زعماء القبائل والقياد والعلماء والصلحاء….. ويعتبر اليوطي نفسه خادما للسلطان الشريف… وقد تحدث عن دوره الكبير في دفع السلطان عبد الحفيظ لاستقالته وتنازله عن العرش لصالح أخيه يوسف الذي أشاد اليوطي كثيرا بتعاونه مع سلطات فرنسا وتسيير مهام الحماية والمقيم العام

اليوطي هذا الذي جعل من الرباط عاصمة للمغرب واختار له علما رسميا له، لا يزعجه ان يخرج من الكنيسة باعتباره مسيحيا كاتوليكيا ويتجه إلى حفل ديني يحضره السلطان والعلماء… أو أن يودع موكبا للحجاج المغاربة ويتمنى لهم سفرا سعيدا وسالما إلى مكة، أكثر من ذلك فقد أرسل طاقما طبيا مع الحجاج لإسعافهم في الطريق…. كل هذا يفعله المارشال اليوطي للوصول إلى ثروات المغرب الدفينة والحفاظ على مصالح فرنسا الإستراتيجية وجلب الموارد إليها كما يعبر عن ذلك صراحة منذ وصوله إلى المغرب أول مرة بعد تعيينه مقيما عاما عبر ميناء الدار البيضاء… فلسفة اليوطي هي التي تعبر عنها دولة المغرب الحديثة… هو يعرف أنه المؤسس الحقيقي لهذه الدولة، حيث عمل في البداية على تحيين كل الطقوس المخزنية القديمة وأحياها من جديد وأعطاها الحيوية ثم أضاف لها ما يراه مناسبا من ركائز الدولة العصرية الأوربية الفرنسية طبعا، ودافع عن سلطة المخزن العتيق وحتى بعد استبعاده من الإقامة العامة بسبب حرب الريف بزعامة الخطابي طالب من الحكومة الفرنسية ان تسير على هذا النهج… وبعد موته أوصى ان يدفن في المغرب سنة 1934 ولكن الجنرال شارل دوكول أمر على نقل قبره إلى فرنسا سنة 1961… فيما أن قبر الأمير المجاهد محند بن عبد الكريم لايزال في مصر خارج وطنه

وفي أثناء الحرب مع الأمير محند الخطابي اقترحت فرنسا كل من القبطان جوستينار الحاكم آنذاك على تيزنيت والمعروف بالقبطان الشلح لأنه كان يتحدث الأمازيغية بطلاقة والسوسيولوجي الفرنسي “روبير مونطاني” صاحب كتاب المخزن والبيربير”الامازيغ” لأنهما يتحدثان الأمازيغية “تاسوسيت” واشتغلا معا على دراسة المجتمع الأمازيغي بالجنوب… وحتى يتمكنا من فهم اللغة الريفية دخلوا إلى سجن فاس وخالطوا هنالك معتقلي الريف لعدة أيام حتى تعلموا الريفية ثم اتجهوا للتفاوض مع رئيس جمهورية الريف… وقد أعد الباحثان تقريرا مفصلا حول المفاوضات مع الخطابي رفع إلى الحكومة الفرنسية.. (من 1925 إلى 2017 .. ولكم ان تتمعنوا كيف يدور بنا التاريخ ويفرض علينا نواميسه).

إيمانويل ماكرون… رئيس الجمهورية الفرنسية زار المغرب أول أمس في عز الأزمة بين الدولة والريف.. وأعطى تصريحا لوسائل الإعلام حول إمكانية الخروج من هذه الأزمة

فإلى أي حد تخلص ماكرون الصغير من شبح الجنرال اليوطي الجبار….؟؟

بقلم: عبد الله بوشطارت

اترك تعليقك

Please enter your comment!
Please enter your name here