فليكس موغا: نخاس المناجم.

“… ما تزال الذاكرة الجماعية بمنطقة سوس ودرعة ومنطقة واد نون تحتفظ باسم «موغا»”.

فليكس موغا (Félix Morat) ضابط صف فرنسي، كان قد اشتغل في العديد من المناطق بالأطلس الكبير وسوس والأطلس الصغير وواد نون، حيث كان رئيسا لمكتب الشؤون الأهلية بكلميم، بعد الاستقلال، تم تكليفه من شركات مناجم الفحم الحجري في شمال فرنسا ب Bas de callet و L’Alsace-Lorraine لانتقاء اليد العاملة القادرة على العمل في مناجم الفحم من هذه المناطق التي كان موغا” يعمل بها سابقا ويعرفها حق المعرفة. وتمكن من انتقاء أزيد من 66 ألف عامل، بناء على معايير صارمة، كما صرّح “موغا” شخصيا في برنامج خاص لإحدى القنوات التلفزية الفرنسية.

ما تزال الذاكرة الجماعية بمنطقة سوس ودرعة ومنطقة واد نون تحتفظ باسم «موغا»، الشخص الذي انتدبته الدولة الفرنسية في ستينيات القرن الماضي من أجل اختيار فئة من الشباب، للعمل بمناجم الفحم الحجري بشمال فرنسا. الاختيار وقع على المناطق النائية من سوس ومنطقة واد نون، بحكم أن «فليكس موغا» خبر أهلها عندما كان ضابطا في الجيش الفرنسي بكلميم. استطاع الرقيب «فليكس موغا» أن يختار ما يقرب من 70 ألفا من شباب البوادي المغربية، معتمدا على المقاييس التي اعتمدها الأمريكيون عندما كانوا يهجرون آلاف السود من إفريقيا إلى أمريكا عبر المحيط الأطلسي. كان موغا يختار الشباب الذين يتراوح سنهم ما بين 22 سنة و30 سنة، سليمي البينة، ومن الأميين في الغالب، مركزا على العناصر الأكثر فقرا والأقدر على العمل الشاق حتى ولو كان مواجهة الموت وجها لوجه.
كانت الغاية ملء الفراغ الذي تركته اليد العاملة الجزائرية في مناجم الفحم بشمال فرنسا، التي رجعت إلى بلادها التي خرجت للتو من تحت السيطرة الاستعمارية الفرنسية، الأمر الذي أضحى يهدد مناجم فرنسا ومن ورائها صناعاتها الثقيلة بالكساد، فكان المغرب وجهة الباحثين عن «عبيد» لإنقاذ مناجم فرنسا من الإغلاق قبل الأوان..

2udugk5

 حسب ما ترجحه بعض الروايات، فإن «موغا» كان متمكنا من عمله، وكان يسيطر على المنطقة بيد من حديد، ولهذا تم تفويت أمر الإشراف على تحقيق الصفقة إليه دون غيره من المسؤولين العسكريين.

 لكن السبب وراء تكوين أسطورته، هو إدراك السلطات الفرنسية أن منطقة الجنوب كانت مليئة بنموذج اليد العاملة المغربية التي تصلح لذلك النوع من الأشغال التي تتطلب لياقة بدنية عالية. فرنسا تدرك أن أكثر الهزائم التي ألحقت بالجيش الفرنسي كانت في الجنوب المغربي، خصوصا في الجنوب الشرقي لأكادير، وهكذا أدركت مبكرا أن اللياقة البدنية لأناس الجنوب عالية جدا، ولكي تتمكن من السيطرة على عملية نقل اليد العاملة إلى المناجم، كان يلزمها مشرف عسكري في مستوى الصرامة المطلوبة، وأيامها كان «موغا» في قمة عطائه العسكري على رأس مكتب كلميم، وكان يحصي أنفاس الأهالي هناك، ويحاول إخماد جميع التمردات. استغلت الإدارة العسكرية صرامة «موغا»، وأضافت إليها بعض التوابل لتصنع منه الأسطورة.

أولى صفقات تهجير المغاربة إلى مناجم الشمال الفرنسي

تقول بعض الروايات إن أولى الصفقات التي نقلت اليد العاملة المغربية إلى فرنسا، كانت غامضة ولم تكن هوية المكلف بها معروفة. كان هذا بالضبط سنة 1930.الأكيد أن موغا لم يكن خلفها لأنه وقتها لم يكن قد ألحق بمنصبه السيادي بعد.
وتقول روايات أخرى أن أولى الصفقات التي رحل بموجبها المغاربة إلى فرنسا، قد تمت سنة 1939 بالضبط. ولا توجد أي مصادر تاريخية الآن تؤكد هوية الشخص الذي كان واقفا خلف إبرام تلك الصفقات. لكن المرجح أن المستفيد الأكبر منها هو إدارة المناجم الفرنسية، بتنسيق مع الجهاز العسكري الفرنسي. وقد تم اختيار العمال بعناية ممن كانت بنيتهم الجسمانية مناسبة للأشغال الشاقة بالمناجم. هذه التجربة كللت بالنجاح، رغم المدة القصيرة التي قضاها أولئك العمال المغاربة هناك. تقول بعض الإشارات إنهم قضوا سنة أو سنة ونصف السنة، ثم تمت إعادتهم إلى المغرب بعد أن صرفت لهم أجورا عن خدمة تلك المدة، أي أنهم لم يكونوا يحصلون على أجور شهرية وكان يتم استقبالهم في أماكن ضيقة قضوا داخلها مدة العمل كلها، دون أن يستفيدوا من يوم عطلة واحد.
لم تعاود فرنسا الكرة مرة أخرى، ولم تعاود طلب اليد العاملة المغربية إلا سنة 1948. وحسب المتخصصين في التاريخ، فإن هذه الصفقة كان قد أطلق عليها اسم صفقة «بوردو». بعدها جاءت تعاقدات أخرى اشتهر فيها اسم «موغا» واستمرت إلى نهاية الستينات، وهكذا جرت عمليات تهجير خلال سنة 1952 وبعقود عمل إما طويلة الأمد أو قصيرة الأمد لمدة أربعة أشهر ثم  1961 و 1962 إلى حدود ماي 1968

والحقيقة أن اسم موغا كان قد بدأ في الانتشار قبل تلك الفترة بقليل، نظرا لسمعته العسكرية في منطقة الجنوب.
استمرت التعاقدات إلى نهاية الستينات، أي بعد حصول المغرب على الاستقلال لكنها أخذت طابعا آخر، وأصبحت شروط العمل أكثر احتراما لإنسانية المغاربة، واستمرت إلى أن تم إغلاق مناجم الشمال والشرق نهائيا، بداية السبعينات.

وصف شخصية موغا

هناك رواية يمكن أن نعتبرها الأقرب إلى وصف شخصية «موغا» أكثر من بقية الشهادات. يقول صاحبها، والذي قال في بداية التسجيل إن اسمه محمد بن الحسين، والذي كان عمره يتجاوز التسعين سنة، وقت تسجيل شهادته التي تعود إلى سنة 1991. يقول: «من يكون «موغا». الجميع كانوا يعرفونه. عندما تكون سيارته الرمادية قادمة في اتجاه القرية، يأمر الآباء أبناءهم بالاختفاء فورا. أنا خبأني والدي في البئر لأزيد من أسبوع، لأنني كنت الذكر الوحيد من بين بناته الكثيرات، ولم يكن مستعدا لرؤيتي أسافر مع الذين سيختارهم «موغا» لأنه يحتاجني للقيام بأعمال الزراعة. كان أقراني يخافون من «موغا» لأنه يأخذهم نحو المجهول بعد أن يتفحص أسنانهم وصدورهم وأرجلهم ويختبر قدرتهم على الصبر أيضا. لقد اختبرني مرة واحدة فقط، ولم أسافر لأن والدي منح المقدم كيسا كاملا من الزرع، حتى لا يختارني «موغا». عندما رأى موغا أنني أصلح للعمل، أخذني أحد الجنود إلى الشاحنة وجاء المقدم في غفلة منهم أنزلني منها، وأمرني أن أختبئ وراء الشاحنة إلى أن يعطيني إشارة بالانصراف، وفعلا تسللت ونجوت بجلدي.
عندما وقفت أمام موغا لم أفهم أي كلمة مما دار بينه وبين الطبيب. كان الطبيب يرتدي بذلة بيضاء، ويتفحصني بأداة خاصة يضعها داخل فمي. لكن «موغا» كان يحشر أصابعه في فمي بقوة ويتفحص لساني وأسناني تماما كما نتفحص نحن البغال في الأسواق الأسبوعية. لم يكن موغا يقبل أن أنظر في عينيه مباشرة، لأنني عندما حاولت النظر إليه، أمرني المقدم الذي كان يعرف والدي أن أنزل عيني إلى الأرض، وقال لي إن موغا إذا اكتشف أنني أنظر في عينيه مباشرة، فسوف يغرز فيهما سكينه الصغير وهكذا بقيت أنظر إلى الأرض». 

تفاصيل أكثر في جريدة “أخبار الجنوب” العدد 55 لشهر دجنبر الجاري

اترك تعليقك

Please enter your comment!
Please enter your name here