إضاءات وملامح من شخصية محمد المختار السوسي.

يعتبر المختار السوسي شخصية بارزة لامعة في أسماء العلم و الأدب و التاريخ و البحث والدراسة، مشارك في كثير من فنون المعرفة، متخصص بارع في مادة الأدب و التاريخ، خصوصا تاريخ سوس، متضلع في ميدان اللغة العربية، متمكن من ناصيتها ، فقد أثرى المكتبة بعدد لا يستهان به من مؤلفات في شتى أنواع العلوم المختلفة،وانكب طوال حياته على التدوين والتسجيل،وان المتتبع لكتاباته لايمكن له انكار مدى تتعدد جوانبها،التي أغنت رفوف الخزائن..ويعد من أبرز

ذ. الحسين البقالي
ذ. الحسين البقالي

رجالات الرعيل الأول من رجال الكفاح الوطني والفكر والثقافة بالمغرب في عهدي الحماية والاستقلال، فهو الفقيه الضليع في العلوم الشرعية، وهو المؤرخ المدقق  لمنطقة سوس ورجالاتها، وهو الشاعر المبدع الذي نظم الشعر وبرع فيه، كما جاهد في سبيل الوطن ضد المستعمر الفرنسي، وبذلك استحق لقب ” الوطني الغيور والمقاوم الصبور“.

حياته

ولد  المختار السوسي الذي لقب بـ”رضا الله”  في قرية تسمى  “إلغ” بنواحي  “تازروالت “وبالضبط بقرية ” دوﮔادير بـ” إلغ “.  شرق مدينة تزنيت بمنطقة سوس، في شهر صفر سنة 1318 هجرية الموافق لسنة 1900 ميلادية، وسط أسرة دينية وعلمية، ذلك أن أباه علي بن أحمد السوسي كان شيخ الزاوية  الدرقاوية الصوفية، وحين بلغ سن الإدراك اتجه إلى الدراسة الأولية لتعلم الكتابة والقراءة واستظهار كتاب الله العزيز على عدة الإدراك اتجه إلى الدراسة الأولية لتعلم الكتابة والقراءة واستظهار كتاب الله العزيز على عدة معلمين، أولهم والدته السيدة رقية بنت محمد بن العربي الأدوزي وتنتمي إلى الأسرة الأدوزية المعروفة بالعلم  والفقه…ثم بعد ذلك اتجه الى بلدة افران الأطلس الصغيرواد الأدباء والعلماء بالمدرسة العتيقة “تنكرت” عاشر ودرس وتلمذ على يد مجموعة من الفقهاء والشعراء كالطاهر الافراني وغيرهم، بعدما اشتد عوده اتجه نحو مراكش لاستكمال معارفه فانكب على التحصيل بجامع ابن يوسف منقطعا عن المخالطة بتأثير نفحة صوفية، وبعدما أحس السوسي أن مراكش لن تستطيع إشباع نهمه للعلوم وتحقيق طموحه المعرفي، اتجه صوب  العاصمة العلمية فاس ليتم دراسته في المدرسة البوعنانية،  حيث  نهم العلوم الشرعية علي يد علماء مدينة فاس، وكذا التاريخ والجغرافيا والحساب والأدب، واندمج في البيئة الفاسية المتفتحة على العالم في ظل حركة ثقافية ووطنية حية، كانت ثمرتها نشأة  طائفة من المفكرين الشباب في تلك المرحلة التي كان فيها الاستعمار الفرنسي باسطا ذراعيه على بلاد المغرب.
انتقل إلى الرباط سنة 1347 وتلقى دروس العلم والتفسير على يد  “شيخ الاسلام العلامة أبي شعيب الدكالي وثلة من علماء عصره، كما اطلع في الرباط على دروس علمائها السلفيين المجدين مثل المدني بن الحسني والشيخ محمد السائح كما اطلع على الأدب العربي القديم والحديث في نوادر مصادره وفي المجلات والمطبوعات المختلفة.
أحس السوسي بأن بيئة فاس والرباط  لم ترويا عطشه من العلوم، فعزم السفر نحو بلاد الكنانة مصر، غير أن الفقر حال دون إتمام مسيرته، فاتجه قاصدا المدينة الحمراء “مراكش ” وأنشأ بها أول مدرسة حرة، وذلك لإيمانه بأن التعليم والتربية هما السبيل القويم لمحاربة الجهل والتخلف، ومحاربة الاستعمار ومناهجه التعليمية التي احتقرت عقيدة الأمة ومحو لغتها،  واعتنى السوسي بالمواد المهملة في المقررات الرسمية التي أرساها الاحتلال الفرنسي، كاللغة العربية والقرآن والتاريخ المغربي، والسيرة النبوية، وفي النظام العتيق كالتفسير وعلوم الحديث والأدب .

قيل عنه إنه كان من المغاربة الوطنيين الأحرار، الذين تنطبق عليهم الآية الكريمة ” مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللًه علَيْه”، ذلك أن المختارالسوسي قام  بمساع حميدة ومشكورة في سبيل الوطن العزيز، والعمل على انعتاقه وفك أغلاله وقيوده من “تسلط الاستعمار اللعين،  فاقتنع خلال مدة إقامته في فاس بقيمة العلم والعمل ودورهما في تغيير حال المجتمع والوطن، وخطط مع زملائه لمستقبل بلادهم فأسسوا جمعيتين الأولى ثقافية معلنة سموها “جمعية الحماسة” وترأسها هو نفسه،  والثانية سياسية سرية ترأسها علال الفاسي.
عارض المختارالسوسي  الظهير البربري الذي أعلنته سلطات الحماية، وجاهر في منطقته بالحركة الوطنية ، فلفلت عمله الدؤوب في دفاعه عن الوطن، ومحاربته للمستعمر بالعلم والنضال، جر عليه نقمة الفرنسيين وعملائهم، فرغبوه بالمناصب وأرهبوه بالمحاكم، ولما يئسوا من انصياعه، قبضوا عليه وزجوا به في أحد المعتقلات مع رفاقه  الوطنيين المغاربة، غير أن وجوده في السجن لم يكبح جماح نضاله، فأزعج المستعمر، وجر عليه غضبه، ليتم نفيه من مراكش  بإيعاز من عملائه خونة الوطن إلى مسقط رأسه سنة 1355 حيث قضى تسع سنوات ذاق خلالها مرارة العزلة والغربة إذ منع من الاتصال بالأجانب، وبأبناء بلاده.
عاش السوسي  هذه الفترة التي  كانت كافية بالنسبة إليه، في عزلة خاصة، مكنته من تأليف المزيد من الكتب، ولم يستسلم للقدر، فانتهز الفرصة  ليشتغل بما ينفع أمته، وصرف همته إلى جمع تاريخ منطقة سوس التي اشتهرت في التاريخ بكثرة العلماء ووفرة الأدباء وتمسك أهلها بالشرع الإسلامي، فألف كتاب المعسول الذي قدم في 20 جزءا، واشتمل نظرة عامة على العلم  وأعلامه الأمازيغيين ومؤسساته في منطقة سوس.
وبعد إطلاق سراحه، ومكافأة له على جهوده النضالية في سبيل تحرر المغرب، عينه الملك الراحل محمد الخامس وزيرا للأوقاف العمومية في أول حكومة مغربية وطنية، وذلك خلال 1375 هـ، ثم عين بعد ذلك عضوا في مجلس التاج سنة 1376هـ، وهي الوظيفة التي لازمها حتى وفاته، فضلا عن عضويته في لجنة مدونة الفقه الإسلامي، ثم قاضيا شرعيا للقصور الملكية.
أهم مؤلفاته

فقد أثرى المكتبة بعدد لا يستهان به من نوادر المخطوطات العربية التي اكتشفها في مختلف المكتبات المغربية، فقد تعددت الواجهات التي اهتم بها العلامة السوسي، فمن النضال الوطني إلى الإصلاح الاجتماعي، ومن التأليف التاريخي إلى الإبداع الأدبي، ومن التصنيف العلمي الشرعي إلى التربية والتعليم، وقد أنتج هذا النشاط الداؤب والعمل المستمر مؤلفات كثيرة تنيف على الثمانين جزءا، تميزت بعمق النظر ودقة التفكير وحسن الترتيب وسعة الإحاطة.

ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر:

ديوان ملك غرناطة يوسف الثالث.
*
 مختصر رحلة العبدري لمؤلف مجهول.
*
 طبقات المالكية لمؤلف مجهول.
وقد خلف رحمه الله مؤلفات بالغة الأهمية 
نذكر منها:
*
 المعسول في عشرين جزءا.

”الإلغيات” في 3 أجزاء تضمن مذكراته خلال نفيه إلى مسقط رأسه، ثم ” سوس العالمة ” بمثابة مقدمة لموسوعة المعسول  الشهيرة
*
 سوس العالمة.
*
 من أفواه الرجال.
*
 رجال العلوم العربية في سوس.
*
 اصفى الموارد.
*
 بين الجمود والميع وهو رواية
من أفكار إسلامية.
*
 تقييدات على تفسير الكشاف للزمخشري.
*
 ”خلال جزولة” في أربعة أجزاء وهو وصف لأربع رحلات علمية في المناطق السوسية والمدون المغربية مليئة بالفوائد العلمية والأدبية والتاريخية .
*
 ومجموعة من المخطوطات الناذرة “نهضة جزولة العلمية والدينية لعلامة سوس ومفخرتها”
* ”معتقل الصحراء”  ، و”معتقل الصحراء” يشمل مذكرات المعتقل الصحراوي إثر النفي الثاني وفيه نبذة من نشاط النخبة السياسية المغربية في المنفى… من أجل أداء رسالته هذه، التي أداها في ظروف كانت في منتهى القساوة:ولم تكون سهلة بقرية ” دوﮔادير ” بـ” إلغ “.

1 – فقد كان منفيا من قبل الاستعمار إلى مسقط رأسه وبالضبط وفرضت عليه قيود مشددة لمدة خمس سنوات، منع خلالها من الاتصال بعامة الناس، ومن مغادرة بيته مهما كانت الظروف. وفي الوقت نفسه كان المراقب الفرنسي بـ”تافراوت” يستقدمه إليه ، أو يأتي عنده في بيته لاستنطاقه،أو تهديده، أو عرض بعض المغريات عليه، التي من شأنها أن تزحزحه عن موقفه الوطني السياسي الثابت.

وبعد ذلك، سمح له بحرية التنقل داخل إقليم سوس، ودامت هذه  الفترة أربع سنوات. مما أتاح التمكن من استكمال المعلومات المتعلقة بمؤلفاته التي كان يحررها في وقت واحد.

2 –  صادفت مرحلة نفيه هذه ( 1937 ـ 1946م.) مرحلة قيام الحرب العالمية الثانية، فأضاف المؤلف إلى مرارة النفي ومتاعبه، ما لحق الناس جميعا من الظروف الاقتصادية والاجتماعية لهذه المرحلة. فعانى من شظف العيش وقلة الملبس الشيء الكثير.

3 ـ – كان البيت الذي أقام به طيلة سنوات المنفى التسع متواضعا جدا، انعدمت فيه الوسائل التي من شأنها أن تبعث على النشاط، فالفراش عبارة عن حصير،ربما يضيف فوقه بساطا صوفيا متواضعا جدا… والإضاءة تكون بنور الشمعة أو قنديل الزيت، مستعينا بزوجته التي كانت تتولى مسك المصباح وتقريبه إليه من ورقة الكتابة إلى أكبر قدر ممكن.

4 – حينما رخصت له سلطات الحماية بالتحرك داخل سوس، صار يقطع الفيافي والجبال ممتطيا الدابة مع رفيقا حينا، ومنفردا حينا آخر. وبلغ عدد رحلاته تلك أربع رحلات:

أ – استغرقت الرحلة الأولى 29 يوما( 1 ـ 29 ربيع الثاني 1361هـ / أبريل ـ ماي 1942.)

ب – استغرقت الرحلة الثانية 23 يوما (9 شوال ـ 1 ذي القعدة 1361 هـ/ أكتوبر 1942م.).

ج – استغرقت الرحلة الثالثة 52 يوما (1 شوال ـ 22 ذي القعدة 1362 هـ / فاتح نونبر ـ 22 دجنبر 1943م.).

د – استغرقت الرحلة الرابعة ثلاثة أشهر وسبعة أيام ( 3 شوال 1363 ـ 9 محرم 1364هـ / شتنبر ـ دجنبر 1944م.).

نتج عن هذا الجهد المضني وضع عشرا المجلدات عن سوس استعرضها عليكم فيما يلي:

1 – المؤلفات التي تمكن من طبعها قبل وفاته:

1 سوس العالمة: في جزء  واحد.

2 الإلغيات: في ثلاثة أجزاء.

3 خلال جزولة: في أربعة أجزاء.

4 الـمعسـول: في عشرين جزءا.

5 منية المتطلعين إلى من في الزاوية الإلغية من الفقراء المنقطعين: في جزء واحد.

6 الترياق المداوي في أخبار الشيخ سيد الحاج علي الدرقاوي: في جزء واحد.

7 أصفى الموارد في تهذيب رحلة الشيخ الوالد: في جزء واحد.

8 من أفواه الرجال: في عشرة أجزاء، طبع منها ثلاثة.

9 إيليغ قديما وحديثا: في جزء واحد، صدر بعد وفاته بحوالي سنة.

وهكذا بلغ عدد المجلدات المطبوعة من آثاره السوسية: 35 جزءا.

2 أما المؤلفات التي لم تر النور بعد فهي:

1 جول الفرا: في ثلاثة أجزاء.

2 مترعات الكؤوس في بعض آثار من أدباء سوس: في جزأين.

3 طاقة ريحان من روضة الأفنان: في جزء واحد[11].

4 قطائف اللطائف: في جزء واحد.

5 من مراكش إلى إلغ: في جزء واحد[12].

6 مجموعة في العادات الإلغية: في جزء واحد.

7 الرؤساء السوسيون: في جزء واحد.

8 رجالات العلم العربي في سوس: في جزء واحد[13].

9 عقود العقيان في إجازة الإخوان: في جزء واحد.

10 مشيخة الإلغيين من الحواضر: في جزأين.

11 أسانيد وإجازات سوسية: في جزء واحد.

12 -ـ مدن سوس المندثرة والموجودة: في جزء واحد.

13 محاضرات في الثوار السوسيين: في جزء واحد.

14 مجموعة من أنساب السوسيين: في جزء واحد.

15 مدارس سوس والعلماء الذين درسوا فيها: في جزء واحد.

16 مجموعة فقهية في فتاوى السوسيين المتأخرين: جزء واحد[14].

17 الصالحون المتبرك بهم من سوس أخيرا: في جزء واحد.

وبذلك يبلغ مجموع أجزاء آثاره السوسية ـ المطبوع منها والمخطوط ـ 73 جزءا، تندرج تحت 23 عنوانا.

العلامة محمد المختار السوسي الرجل الوطني المقاوم والمجاهد

إن الحاجة إلى المختار السوسي ليست حاجة إلى قلم ينضاف إلى الأقلام الموجودة، أو مؤرخ من حماة الذاكرة الوطنية، بل إلى فكر مجاهد آمن بهوية الوطن ونظر لوجوده. فقراءة الرجل النهضوية والإصلاحية لمغرب الاستقلال تأسست على رفض مطلق لمنطق التغريب الاستعماري واستعادة لمبادئ معركة التحرير التي لم يمت المجاهدون والشهداء من أجل رقعة جغرافية فقط بل من أجل منظومة من القيم بدأت تتلاشى في وطن الاستقلال. لذا فالتأسيس لنهضة المغرب تنطلق من استعادة روح المقاومة ومبادئها. يقول المختارالسوسي: “إننا اليوم في فجر نهوضنا، فيجب علينا أن نتنبه إلى مقوماتنا لنحافظ عليها، ونسترجع ما كاد الاستعمار يأتي عليه بمحاولاته الشتى”. فالوجود الدائم والمضمر للاستعمار فينا عبر بذوره الفكرية والثقافية تفرض مراجعة دائمة لمفهوم الاستقلال. “أيكفي أن نقول إننا مستقلون اليوم من غير أن نراجع قائمة مقوماتنا التي كنا بها أمة عظيمة امتدت أجنحتها حتى حلقت على إسبانيا المسلمة وعلى الجزائر وتونس وليبيا ؟

فمشروع السوسي المقاوم مازال يحتاج إلى استعادة وقراءة تفصيلية واستحضار حين استشراف المستقبل. وقد تكون البداية هي استكمال مشروعه الفكري التوثيقي، من خلال مؤسسة بحثية تحمل اسمه وتقارب تراثه العلمي.  

فمعلوم أن الأوضاع السياسية في المغرب لم تستقر بعد للاستعمار إلا في بداية سنوات الثلاثين، ذلك أن أجزاء مهمة من الأقاليم الجنوبية، والجنوبية الشرقية ظلت تقاوم ببسالة لصد الزحف الاستعماري الفرنسي والإسباني عن هذه المناطق، وبالتالي تحرير الأقاليم الوسطى والشمالية التي سقطت في قبضته، ولم تتوقف تلك المقاومة إلا في سنة 1934م.

وفي الوقت الذي كانت المقاومة المسلحة قائمة على أشدها في تلك المناطق،كانت الحركة الوطنية السياسية في السنوات الأولى لنشئها تنظم نفسها، وتكون هياكلها وخلاياها وخاصة في المدن الرئيسية، وكانت هذه الحركة ترى أن مقاومة الاستعمار يجب أن تنطلق أساسا من أمة متطورة فكريا، وثقافيا، وخلقيا، فكانت تطرح مطالب، أو تقوم بمبادرات لتحقيق تلك الأهداف. ولعل قصيدة قديمة لمحمد المختار السوسي تصور بما فيه الكفاية نظرة رجال هذه الحركة إلى واقع المغرب في ذلك العصر ـ ومعلوم أنه كان أحد مؤسسيها ـ. ومما ورد فيها قوله:

1 ـ حتى متى شعبي يـعـبده الـجهـل

2 ـ كأن لم يكن يوما مديرا لـتـلكم الـ

3 ـ كأن لم يكن بين الشعوب محـكـمـا

4 ـ كأن لم يكن فينا الـمرابـطي الـذي

5 ـ وأبناء عبد المومن الـطالعـون فـي

12 ـ كأن لم يكـن اقـتـدار ونـظـرة

13 ـ وأي نبوغ في اخـتـراع تمديـن

14 ـ وعزم وحزم واقـتحـام مـعامع

16 ـ أجل إننـا كـنا وكـنا وهـكـذا

17 ـ ولـكـن إذا ألـقيت يومك نظـرة

18 ـ تشاهد ما يرفضّ قـلبـك حسـرة

19 ـ لتسقط على الأرض السماوات ولتقم

20 ـ فقد ضاق بالشعب الجهول خنـاقـه

21 ـ فهلك يريح البال أول مـن ان ترى

  كأن لم يكن قطب السيادة من قـبل

ـمماليك يحمي ما يشاءويحتل

إذا قال يحني الرأس من رأسه يعلو

به تم الاستعلاء للشعب والطـول

سما الأرك شوسا لا ينهنههم صول

مسددة تـرمي الصعـاب فتنحـل

يدعمها الدين المطهـر والـعـدل

يمهدها الكون المثـقف والـنصل

يقول لسان العلم من قـوله الـقول

فكم لوعة تذكو وكم زفـرة تعـلو

عليه ويستذري الدموع فـتـنهـل

قيامة شعبي فالهلاك ولا الـجـهل

وقد ساء محياه وقد طفـح الـكيل

ملايين سبعا لا شعور ولا عـقل[1]

وهكذا انطلقت الحركة الوطنية تدعو إلى الإصلاح الديني والخلقي، ومحاربة التخلف الفكري والثقافي،فتشجع على إنشاء مدارس عصريةحرة، وتطالب بإصلاح اقتصادي واجتماعي، من شأنه أن يحد من هيمنة الأوروبيين على المرافق الرئيسيةفي التجارة والصناعة والفلاحة، ومن تسخير المرافق الاجتماعية لفائدتهم، وحرمان المواطنين منها، من : تعليم وصحة وعمران، وغير ذلك.

يعتبر العلامة محمد المختار السوسي (1900م ـ 1963م) أحد أعلام أو رواد النهضة المغربية الحديثة، فلا يمكن الحديث عن الحركة الإصلاحية الدينية، أو عن نشوء الحركة الوطنيةالسياسية، دون أن يدرج محمد المختار السوسي في مقدمة كبار أعلامها، ونفس الشيء يقال عن انبعاث الحركة الأدبية، أو التعليمية، أو تطور وإنعاش حركة والتأليف، حيث يوجد محمد المختار السوسي حاضرا في كل هذه المجالات، ومحتلا مكانة بارزة ومتميزة في كل منها.

العلامة محمد المختار السوسي البادية والثقافة الشعبية المغربية

ووقفنا على ما كتبه العلامة محمد المختار السوسي في مؤلفاته ـ شرحا أو إيضاحا حينا، وإشارة أو تلويحا حينا آخر ـ فإننا نستطيع أن نجعله ـ بكل تجرد، وبكل موضوعية ـ رائدا في هذا الميدان، ومعنى ذلك: أنه إذا كان يوصف بالسلفي المصلح، وبالمؤرخ المقتدر، وبالمدرس المجدد، وبالصوفي المتحرر، وبمؤسس الحركة الوطنية السياسية، فيجب أن يوصف كذلك بباحث كبير في الثقافة الشعبية. وعلى سبيل المثال، أشير إلى أنه جمع 1500مثل من الأمثال الأمازيغية السوسية.وقد أشار إلى ذلك بقوله: » حرصت على جمع الأمثال الإلغية من قديم في كراسة استوفت زهاء ثلاثمائة، ثم أخذها مني الكولونيل المستشلح (جوستينار) ففرنسها ونشرها في بعض المجلات الفرنسية، ثم رجعت كرة أخرى ونحن في معتقل (أغبالو نكردوس) فأمليتها على الوزير الكبير أخي سيدي محمد الفاسي، فجمع منها عني ألفا وخمسين ما بين منثور ومنظوم” [5]. وفي لقائي مع الأستاذ محمد الفاسي أكد لي أن ما رواه عنه من الأمثال الأمازيغية السوسية يبلغ ألفا وخمسمائة مثل، توجد كلها في كتابه المخطوط الذي وضعه عن الأمثال المغربية[6]. ووضع مؤلفا حول العادات الإلغية، وقد قال عنه: » مجموعة نفيسة فيما نرى يعرف بها القاريءكيف كيف عادات تلك الجهة التي فيها ” إلغ ” في مجالسهم، ومآتمهم، وملاعبهم، وكيف لباسهم، وطبخهم، وما يفعلونه في أيام من السنة، كعاشوراء، واليوم الأول من يناير، والأعياد، والحصاد، والدرس والحرث، إلى أمثال ذلك«[7].ووضع بحثا مطولا في مقارنة الأمازيغية بالعربية، أسماه: ” الألفاظ العربية في الشلحية ” وتحدث عنه بقوله: » جمعنا في ذلك ما شاء الله، ولا يزال ينقصه الترتيب على حروف المعجم على ما نريده، فيسر الله ذلك«[8]. كما تحدث في أكثر من مؤلف عن العادات، ووصف العمران، ودون الأعراف، إلى غير ذلك.

واهتمامه هذا نابع من حسه التاريخي، ومن مفهومه للكتابة التاريخية، ذلك المفهوم الذي شرحه بالخصوص في مقدمة كل من “سوس العالمة” و “المعسـول”.

يقول في سوس العالمة: » في المغرب حواضر وبواد، وتاريخه العلمي العام، لا يمكن أن يتكون تكونا تاما إلا من التواريخ الخاصة لكل حاضرة من تلك الحواضر، ولكل بادية من هذه البوادي. فإذا كانت بعض الحواضر فازت بما يلقي على تاريخها العلمي بعض الضوء ينير الطريق للسالكين، فإن تلك البوادي المترامية لا تزال داجية الآفاق في أنظار المتطلعين الباحثين […] أفيمكن أن يتكون التاريخ العام للمغرب تاما غدا، إذا لم يقم أبناء اليوم ـ والعهد لا يزال قريبا، ولما تغمرنا أمواج هذه الحضارة الغربية الجارفة التي تحاول منذ الآن حتى إفساد ماضينا، بما يكتبه بعض المغرضين من أهلها ـ بجمع كل ما يمكن جمعه، وتنسيق ما لا يزال مبعثرا بين الآثار، ومنتشرا أثناء المسامرات فإنه لو قام من كل ناحية رجال باحثون ببذل الجهود، لتكونت بما سيهيؤونه من التاريخ الخاص لكل ناحية، مراجع عظيمة سيتكيء عليها الذين سيتصدرون للتاريخ العام المستوعب في العلم العربي المغربي غدا، بله الحوادث والأطوار المتقلبة […].

وبعد فإن تاريخنا لم يكتب بعد كما ينبغي، حتى في الحواضر التي كتب عنها كثيرون قديما وحديثا […], فليسمع صوت هذا السوسي كل جوانب المغرب من أعظم حاضرة إلى أصغر بادية، فلعل من يصيخون يندفعون إلى الميدان، فنرى لكل ناحية سجلا يضبط حوادثها، ويعرف برجالها، ويقول في ” المعسول ” مقارنا بين حالة المغرب في الأمس والغد، مشيرا إلىالأسباب التي جعلته يعتكف على جمع مادته وترتيبها، معتذرا عما من شأنه أن يعتبره بعض القراء تافها. شارحا الأسباب التي جعلته مقتنعا بإدراج ذلك كله في تلك المجلدات الضخمة: نحن نؤمن أنه سيأتي يوم يثور فيه أولادنا وأحفادنا ثورة عنيفة ضد كل ما لا يمت إلى غير ما لآبائهم من النافع المحمود، ثم يحاولون مراجعة تاريخهم، ليستقوا منه كل ما في إمكانهم استدراكه. فلهؤلاء يجب على من وفقه الله من أبناء اليوم أن يسعى في إيجاد المواد الخام لهم في كل ناحية من النواحي التي تندثر بين أعيننا اليوم. وما ذلك إلا بإيجاد مراجع للتاريخ، يسجل عن أمس كل ما يمكن من الأخبار، والعادات، والأعمال، والمحافظة على المثل العليا، بل يسجل فيه كل ما كان ولو الخرافات أو ما يشبه الخرافات، فإن منهم من سيأتون في الغد سيلتهم كل ما يقدم إليه كيفما كان ليستنتج منه ما يريد أن يعرفه عن ماضي أجداده. وهذا أحد مغازي هذا الكتاب […].

هذا وقد يجد القارئ من أبناء اليوم مما أكتبه ما يعده من سقط المتاع،ومما لا ينبغي أن يهتم به مما يعده عند نفسه في ذوقه من الخرافات، ولكن لا ينسين أنني مؤرخ، وقلم المؤرخ الجماعة كعدسة المصور، تلتقط كل ما أمامها حتى ما تقذى به الأعين. فكما تلتقط الإشعاعات الساطعة، تلتقط الظلال القاتمة. فإن لم يكن قلم يجمع للتاريخ كذلك، فإنه قلم التضليل والمسخ للحقائق، لأن واجب المؤرخ أن ينقل قارئه بوساطة يراعته إلى الذي يتحدث عنه كأنه يشاهد عيانا […]. فليعلم المطالع لهذا الكتاب […] بأنه […] سيكون كالداخل إلى السوق التي تجمع كل شيء، فليأخذ ما يعجبه، وليعرض عما لا يعجبه… «[10]

لم يكن مؤلفا في الثقافة الشعبية فحسب، بل إن شعره العربي الفصيح لم يكن يبعد عن هذا لجانب، فموضوع / غرض الوصف عنده نجد فيه وصف أكلات ومشروبات شعبية، وأقتصر في هذا على الإشارة إلى قصيدة بارعة في وصف الأكلة الشعبية البدوية المغربية: ” العصيدة “، وتتألف من 73 بيتا، وقصيدتين متوسطتين إحداهما في وصف ” أملو ” وأخرى في وصف ” أتاي “. له قصيدة طويلة في 140 بيتا خصص فيها حيزا مهما لوصف مجموعة من ألعاب الصبيان في ” إلـغ “.

أسوق هنا مقتطفات من وصف أكلة ” العصيدة “، ومن ألعاب الصبيان.

العلامة محمد المختار السوسي وعلاقته بالأمازيغية

غير أن ما ينبغي أن نشير إليه أن العلامة محمد المختار السوسي لم يهمل الثقافة الأمازيغية ولم ينسلخ من طينته التي نشأ عليها في قريته بدوكَادير إلغ، بل اهتم بما أمكن له منها انطلاقا من تصوره الفكري الذي عمل على أساسه، وهو إبراز ارتباط المغاربة جميعا والسوسيين بالتحديد بالإسلام عقيدة وشريعة وشغفهم باللغة العربية دراسة لقواعدها وإبداعها فيها، ومن مؤلفاته في هذا المجال نذكر:

-الألفاظ العربية في الشلحة السوسية: وهو مقال نشره بمجلة اللسان العربي عدد فيه مظاهر تأثر الأمازيغية السوسية بالألفاظ العربية الكثيرة التي اندمجت فيها وانسجمت معها إلى أن صار الناس يستعملونها حتى في المناطق الجبلية الأكثر عزلة.

أمثال الشلحيين وحكمهم نظما ونثرا، مجموع أمثال بلغت 1500 مثل جمعها فاستعارها منه الكولونيل جوستينار وترجمها إلى الفرنسية ونشرها ببعض المجلات الفرنسية ثم أملاها على زميله في معتقل أغبالو نكردوس محمد الفاسي.

حديث سيدي حمو: مؤلف حول العادات والتقاليد والأخلاق والحياة الاجتماعية في سوس نشر نجل المؤلف عبد الوافي السوسي مقدمته بجريدة التجديد العدد 1171 بتاريخ الجمعة 2 جمادى الأولى 1426/10 يونيو 2005.

قطائف اللطائف: مؤلف للحكايات والنوادر السوسية التي تبرز الحياة الاجتماعية في المنطقة.

ترجمة كتاب الأنوار السنية في الكلمات السنية لمحمد بن أحمد بن جزي الغرناطي إلى الأمازيغية السوسية.

ترجمة الأربعين النووية إلى الأمازيغية السوسية: وهذا الكتاب هو الذي ندرسه في هذا العرض.

ويمكن أن نضيف إلى هذه المؤلفات اهتمام العلامة السوسي بوصف المخطوطات الأمازيغية في كتبه كما فعل في كتابه خلال جزولة الذي جمع فيه رحلاته العلمية في جبال الأطلس الصغير ووصف فيه الخزانات التي زارها وما فيها من كتب ومخطوطات، ومن جملتها الكتب المحررة بالأمازيغية.

من خلال كل ما مرّ نرى أن العلامة محمد المختار السوسي قد أدلى بدلوه في الاهتمام بالثقافة الأمازيغية من خلال هذه المؤلفات وقدم لها ما لم يقدمه أي أحد من معاصريه، والظاهر أن الذين ينتقدونه إنما يؤاخذونه على شدة اهتمامه بإسهام المغاربة عامة والسوسيين بصفة خاصة في خدمة الثقافة الإسلامية، مقابل قلة اهتمامه بما كتب بالأمازيغية من أشعار وحكايات فيلزمونه بما لم يلزمه به نفسه ويحاكمونه بناء على ذلك محاكمة جائرة لا أثر فيها للمقياس العلمي ولا تثبت ولا استدلال.

2 – التعريف بترجمة كتاب الأربعين النووية
يعد كتاب الأربعين حديثا للإمام أبي زكرياء يحيى ابن شرف النووي المشهورة بالأربعين حديثا النووية من كتب مختارات الأحاديث التي سار فيها المؤلف على منهج سابقيه في جمع أربعين حديثا في أصول الدين أو في الفروع أو في الجهاد أو الزهد أو الأخلاق أو الخطب، وقد قال في مقدمتها: “وقد رأيت جمع أربعين أهم من هذا كله، هي أربعون حديثا مشتملة على جميع ذلك، وكل حديث منها قاعدة عظيمة من قواعد الدين، وقد وصفه العلماء بأن مدار الإسلام عليه، أو هو نصف الإسلام أو ثلثه أو نحو ذلك، ثم التزم في هذه الأربعين أن تكون صحيحة، ومعظمها في صحيحي البخاري ومسلم، وأذكرها محذوفة الأسانيد، ليسهل حفظها ويعم الانتفاع بها إن شاء الله تعالى”.(3) 

(1) انظر اللائحة الكاملة لأعمال العلامة محمد المختار السوسي في: دليل مؤلفات ومخطوطات العلامة رضا الله محمد المختار السوسي، أعده ونشره رضي الله عبد الوافي محمد المختار السوسي، كوبي النور الرباط 2005.
(2)
 مخطوط نادر للعلامة محمد المختار السوسي، مترعات الكؤوس في آثار طائفة من أدباء سوس، المهدي السعيدي، مجلة المناهل العدد: 71- 72 شتنبر 2004، ص: 353.
(3)
 شرح الأربعين النووية، يحيى بن شرف الدين النووي، ص: 6- 7 مكتبة وراقة التوفيق.
(4)
 الفوائد الجمة في إسناد علوم الأمة، عبد الرحمن التمنارتي، ص: 230. تحقيق الدكتور اليزيد الراضي، منشورات السنتيسي الدار البيضاء 1999.
(5)
 دليل مؤلفات ومخطوطات العلامة رضا الله محمد المختار السوسي، ص: 20.
(6)
 ترجمة نور اليقين في سيرة سيد المرسلين إلى الأمازيغية السوسية لسيدي عبد الله بن علي الدرقاوي، المهدي بن محمد السعيدي، إسهام في ندوة مناهج البحث في السيرة النبوية التي نظمتها شعبة الدراسات الإسلامية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير يومي مارس 2004.
(7)
 المترجم نفسه
(8)
 المعسول 5/52.
(9)
 مترجم الأربعين حديثا النووية، ص: 11- 12
(10) المصدر نفسه، ص: 14- 15.

الاهتمام بالشعر الأمازيغي كتابة وتأليفا وإنشادا مقالة “للأستاذ عمر أمرير”

أخيرا، يبقى محمد المختار السوسي، بين هذا الرأي وذاك، حاضرا، بكل المعاني، في ضمير التاريخ الفكري والأدبي، وحاضرا أيضا في الذاكرة المغربية، ونظرا لمكانة الرجل وتقديرا لأفضاله وجهوده الأدبية والتاريخية احتفت به عدة أقلام تشيد بشخصه وأعماله، سواء في أبحاث مستقلة أو في إطار ندوات وملتقيات فكرية شدت إليها أنظار القراء والمتتبعين للعمل الثقافي على حد سواء. كأحد المراجع العلمية الهامة، التي لا غنى للقارئ الباحث من الرجوع إليها والإفادة منها

المراجع والمصادر المعتمدة:

 كتاب المعسول الأجزاء 4-5- 6 –  للعلامة محمد المختار السوسي*

 كتاب خلال جزولة: في أربعة أجزاء.*

*مجلة ” الإيمان “. مقال بعنوان: ” حياة فقيد المغرب السيد المختار السوسي “. س 1ع 5 ص 50. وقد أعادت المجلة نشره في عددها المزدوج الخاص بالمختار السوسي س 12. ع 113 ـ 114 . ص 28 ـ 39 ( 1402/1982).

*مقال نشر في العدد المزدوج سالف الذكر بعنوان : ” باقة على روحك الطاهرة يا شيخنا المختار ” ص: 77.

*”محمد المختار السوسي…” ص: 213 ( مرجع سابق ). وانظر مقالا في الموضوع لأحمد أمزال، نشره في مجلة “الإيمان” س 12 . ع 213 ـ214 . يناير/فبراير 1982م.

* الاستاذ محمد خليل المختار السوسي والامازيغية

*محمد المختار السوسي (1900/1963م.). صاحب المؤلفات المشهورة عم تاريخ سوس العلمي، والفكري، والسياسي، والاجتماعي.

*عباس بن إبراهيم السمـلالي الـمـراكشي (1901/1959م.). صاحب ” الإعلام بمن حل بمراكش وأغمات من الأعلام “.

*عبد الرحمان بن زيدان (1873/1946/.). صاحب: ” إتحاف أعلام الناس بأخبار رجال حاضرة مكناس “.

*محمد بوجندار (1889/1926م.). صاحب: ” الاغتباط بتراجم الرباط “

*محمد الكانوني (1893/1938م.). صاحب: ” آسفي وما إليه قديما وحديثا “.

*محمد داوود (؟ / حي)[2]. صاحب: ” تاريخ تـطـوان “.

*عبد الله كنون ( 1908/ حي).[3] صاحب: ” النبوغ المغري في الأدب

 –*مجموعة من المواقع الالكترونية منها:

*موقع وزارة الثقافة.

*موقع جمعية الرفاه لبناء ورعاية متحف محمد المختار السوسي.

إنجاز الأستاذ الباحث، والفاعل الجمعوي – الحسين البقالي

اترك تعليقك

Please enter your comment!
Please enter your name here