ما جدوى الأدب؟

بقلم: ياسين بن ايعيش

يطرح “سؤال جدوى الأدب” نفسه بإلحاح في مجتمعاتنا اليوم أكثر من ذي قبل، وقد يكون مرد ذلك نابع من الحاجة إلى الاتجاه للمجال الصناعي، والتسابق للإنتاج الآلي، ما يدفع بمعظم الذين يشكون في صلاحية الأدب إلى طرح هذا السؤال، كما يمكن أيضا أن نرجعه إلى غياب فهم عميق لدى هذه الفئة بمعنى بالأدب، فهل يعقل أن نأخذ بكلام من يُهَونُونَ ما لا يعرفون؟.

إن جدوى الأدب تكمن بالدرجة الأولى في إنتاج الفكر؛ باعتباره أرقى درجات الإنتاج، وعندما نتحدث عن الفكر فنحن هنا نتحدث عن نظام كوني قائم الذات، إذْ بدونه سَيتَعطَّلُ الوجود، وتصير كينونة الفرد كعدمها، ونستند في هذا المقام للكوجيطو الديكارتية القائلة بـ: “أنا أفكر إذا أن موجود” دون أن نقصد من إيرادها أي حمولة إيديولوجية قد توحي بها، فاشتغال الأدب على تيمة الفكر فيه إعلان صريح للرغبة في محاربة ثقافة الاستهلاك، ورفض الرضوخ للقواعد الجاهزة، التي تجعل الإنسان شبيها بآلة يتم توجيهها وفق أوامر مخزنة في ذاكرتها، لهذا لا غرابة في أن نجد الطلبة المتفوقين بالمجتمعات المتقدمة يختارون إتمام دراستهم وتكوينهم في مجال الأدب، أو على الأقل الوفاء للكتابة الأدبية، ومنبع هذا الاهتمام ولده إيمانه القوي بالفكر وجدواه، وحينما تَثْبُتُ في قناعة مجتمع معين جدوى شيء ما، آنذاك يكون أفراده في غنى عن طرح هذا السؤال، لذا فربط الأدب بالفكر والوجود يحور سؤال الجدوى إلى منحى مغاير، من أجل إكسابه مشروعية أكثر، وبُعدًا فلسفيا أعمق، فيصير السؤال: ما جدوى وجودنا؟.

تلحق الأدب أيضا إساءة من بعض المنتمين لمجاله من حيث لا يدرون، هو وجه آخر للأسباب التي تقف خلف طرح سؤال الجدوى، إذْ أنهم يقزمون الأدب في جانبه الفني التذوقي لا غير، رادين إياه إلى الجانب الجمالي فقط، مع العلم أن الأدب أكبر من أن يتم حصره في بؤرة ضيقة تخفي حقيقته الكاملة، ولا ننكر أن هذا الجانب الفني أيضا لا يخلو من قيمة مضافة ينتجها الأدب، حيث إن فعل الكتابة في مجال الأدب يعدُ تطهيرًا للنفس، فكم من مريض وجد دواءه في مقطوعة شعرية، وكم من رواية طهرت نفوس قرائها من خبث حقد دفين صوب شيء ما، أو أحد ما…، فالأدب بذلك يلعب دور المعالج للنفوس التائهة في دروب الأحزان والآهات، إنه طبيب لمن لا طبيب له.

إن الذين يتحدثون عن جدوى الأدب اليوم، يجدر بهم أن يتحدثوا ويتساءلوا – بالأحرى- عن جدوى وجودهم أولا، فإذا استطاعوا أن يبلغوا مبلغ الإجابة القويمة التي تمكنهم من إدراك سر وجودهم، سيسهل عليهم بعد ذلك أن يتلقفوا إجابة السؤال عن جدوى الأدب، وإذَا تحقق ذلك يمكننا أن نقول “من أدرك سر وجوده، أدرك سر الأدب وجدواه”.

اترك تعليقك

Please enter your comment!
Please enter your name here