ارتفاع الإجرام والجريمة في ظل وجود قانون رادع… إلى متى؟

بقلم ياسين بن ايعيش*

إن ارتفاع نسبة الإجرام والجريمة في صفوف الشباب، يدفعنا إلى طرح سؤال عريض نَجدُ له صدًا كبيرًا داخل المجتمع، وصيغة هذا السؤال تأتي على النحو الآتي؛ إلى متى سيستمر تفاقم هذه الكارثة العظمى، التي تفوق مستوى الكوارث الطبيعية؟.

من شأن طرح هذا السؤال أن يجرنا صوب قِبْلَةٍ نَبْتغِي من ورائها النبش عن حيثيات تفاقم الإجرام والجريمة بالمجتمع في ظل وجود قوانين رادعة، ولعل هذا ما يجعلنا نستغرب، ونثير أكثر من علامة استفهام، إذْ ما سبب فشل القانون في تحقيق النتائج المرجوة من ورائه، من قبيل خفض معدل الجريمة كما في هذه الحالة؟؛ هل يرجع سبب ذلك إلى غياب قوانين سليمة تنظم المجتمع؟، أم إلى الفهم الخاطئ للقانون؟؛ ومن تمة تَضْيِيع الغاية التي وضع لأجلها.

يقع الجواب عن هذا السؤال المستفز حول أسباب تفاقم الإجرام والجريمة بين هذا وذاك؛ أي بين جل الرهانات التي ثم بسطها، وما عداها مما لم نشر إليه، ما يزيد من حدة الحيرة التي تمتلك أفراد المجتمع حول هذا الموضوع.

لا ريب في كون الغاية الأسمى التي وضع من أجلها ولأجلها القانون في جل بلدان العالم تكمن في حماية المواطن أولاً، وهذا أمر أَقرَّتْ به جل المواثيق الدولية، لكن للأسف، نجد نقيض هذا المعطى داخل معظم المجتمعات التي لم تستطع أن تحقق تنميتها بعد، حيث إنها تكرس فهمًا خاطئَا للقانون، وذلك بالنظر إليه من جانبه الرَدْعِي قبل أي شيء آخر؛ فصار القانون بهذا الفهم يشكل لدى المواطن حبلاً يَخْنقُه، ويُكَبِلهُ من حيث لا يدري، من هنا لا غرابة في أن تشيع مجموعة من العبارات المتداولة في مجتمعاتنا، والتي تنم عن غياب ثقة لدى أفراد المجتمع في القانون، ومن بين هذه العبارات نذكر: “وَاضِعُ القَانُونِ خَارِقُهُ”، “القانون حِبْرٌ على وَرَقْ فقط”… وغيرها؛ ما يفيد أن فهم أفراد المجتمع للقانون، وتقع من وراء هذا الفهم مجموعة من المبررات، وبما أن الإنسان يميل بطبعه إلى الحرية – ونقصد بها الحرية السليمة والقويمة، التي لا تمس بحريات الآخرين – فمن الطبيعي أن يسعى أفراد المجتمع ممن يرون القانون بهذه الصيغة إلى الثورة عليه، واختراقه، ما يؤدي إلى تفاقم معدل الإجرام والجريمة أكثر فأكثر، فصار بذلك أفراد المجتمعات المتأخرة عن ركب النمو في صراع دائم مع هذه القوانين التي لا تسعفهم، ولا تضمن لهم الكرامة المنشودة.

على النقيض تماما مما أشرنا إليه بالنسبة للمجتمعات المتأخرة، وتعاملها مع القانون، نجد في المجتمعات التي تحترم المواطن والقانون، أن هذا الأخير يعتبر عندهم بمثابة المقدسات التي لا يجب المس بها، وأول من يُقِرُ بهذه الصلاحية هم المواطنون أنفسهم، لأنهم يثقون في عدالته؛ فالفقير والغني سيان أمام القانون، ولا فضل لأحدهما على الأخر إلا بالدلائل القاطعة والحجة والبرهان.

إذَا أمعنا النظر جيدًا في جل هذه المعطيات، يتبين لنا أن الدولة التي ترمي إلى محاربة الإجرام والجريمة، يكون لِزَامًا عليها أولا أن تُحَقِّقَ مُصَالحَة ما بين المجتمع والقانون المنظم له، أو بالأحرى بين المواطنين ومن يسُنونَ القانون ومن يطبقونه، وذلك باسترجاع ثقة المواطن في مجرى العدالة، وزرع ثقافة “القانون من أجل حفظ كرامة المواطن قبل كل شيء”، لأن استعمال القوة، والعنف، والعقاب… وما عداها من السلوكات التي نلبسها دائما لباس القانون، أثبتت أنها عجزت عن تحقيق الأمن، والقضاء على الجريمة، وما شابهها.

وختاما تجدر بنا الإشارة إلى أن سوء الفهم،وفقدان الثقة في القانون، لا يقتصر على الفئة غير المثقفة في المجتمع، بل تتعداه إلى صفوف المثقفين أيضا، وكمثال على ذلك نجد تضاربًا صارخًا بين من لديهم تكوين قانوني حول عقوبة الإعدام، فمنهم من يراها انتهاكًا لحرمة النفس، في حين يذهب البعض الآخر إلى القول بشرعية الإعدام من أجل إنصاف الضحية وذويه، وقد يقول قائلٌ أنَّ في هذا الاختلاف فضيلة، لكن بالمقابل نقول: كيف نسمح بتضارب الآراء في مواضيع تتعلق بحرمة النفس البشرية المقدسة؟.

يجب ألا يطول النقاش في مثل هذه المواضيع الحساسة، وأن يتم الحسم فيها، وإلا فإن من شأن مثل هذه الاختلافات أيضا أن تسهم في تفاقم الإجرام والجريمة، من خلال استغلاله كثغرات قانونية.

*طالب باحث – مراكش

اترك تعليقك

Please enter your comment!
Please enter your name here