ابن بطوطة الرحالة المغربي السيرة الذاتية والبطولة الفردية (ج 02).

«لقد حققت بالفعل – ولله الحمد – رغبتي في هذا العالم، والتي كانت السفر حول الأرض، ونلت شرف ذلك الأمر الذي لم يسبق لإنسان عادي نيله».

رحالات ابن بطوطة

عندما نذكر الرحلة أو أدب الرحلة أو عجائب الأماكن القصصية أو بعض الغرائب التي دونها الرحالة أو حبهم للمغامرة أو تعرضهم للمخاطر أو معاناتهم النفسية الناتجة عن ترك الأهل والأحبة والسير وراء نداء غامض مجهول يدعو البشر إلى الاكتشاف والتجربة، وعندما نمزج كل هذا بقدرة نادرة تمتعت بها أقلية على تحليل ما شاهدته وخبرته والتعليق على طبائع الشعوب وسمات البشر، وعندما نفتش في الذاكرة عن أحد من القدماء جمع فيما كتبه بين أدب الرحلة وإمتاعيها وملامح من علم الاجتماع والجغرافيا والتاريخ مع الحكي فلابد أن نكون في حضرة الرحالة الأشهر على الإطلاق “ابن بطوطة“.

يجمع ابن بطوطة بين كل هذه الفضاءات، بل ربما لا نتصور أدب الرحلة من دونه، وفي كتابه الذي رواه لمحمد بن جزي والمعنون ب «تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار»، مزيج فريد من حس الرحالة الكبار في التاريخ، هناك الأعاجيب الذي تناولها ابن فضلان في رحلته إلى شمال العالم، والخيال المنطلق المهيمن على القزويني، والعين المحللة التي تذكرك بابن جبير، وتماس مع المسعودي تارة والإدريسي تارة أخرى، وشعور قوي ينتقل إلى القارئ بأنه في حضرة الحسن بن محمد الوزان الحقيقي أو كما تناوله أمين معلوف في رواية «ليون الإفريقي»، وافتتان بتاريخ الأمم وعادات وتقاليد البشر الذين يراهم، حيث تتلبسه أحيانا روح المحلل الاجتماعي.

عندما سافر ابن بطوطة إلى الحج لم يخرج مع قافلةِ الحجيج وإنما أخذ يترَّحل بين القوافل المسافرة، من أجل التعرّف على الناس وعلى عاداتهم المختلفة، فهذا الأمر كان من أكثر الأمور قرباً إلى قلبه، ومما ساعد ابن بطوطة في رحلاته أنه كان ينزل عند القضاة والفقهاء نظراً إلى قدومه من القضاء من بلده، حيث إنّ العادة كانت نزول الضيف صاحب مهنة معينة عند أصحاب المهنة نفسها في المدن الأخرى، فأصحاب القضاء ينزلون عند القضاة وأصحاب الصناعة ينزلون عند أصحاب الحرفة نفسها، وهكذا. عندما خرج ابن بطوطة في الرحلات كان لا يملك المال الكثير، ولكن نظراً لترابط أبناء الدولة الإسلاميّة معاً فإنه لم يحتج إلى المال.

وقد كانت الرحلة الأولى إلى الهند وخراسان وتركستان وأفغانستان وكابول والسند، كما وصل إلى الصين، وعندما رجع إلى بلاد العرب زار بلاد العجم والعراق وسوريا وفلسطين، وزار اليمن وأفريقيا الشرقية وعمان والبحرين والأحساء، وقد حجّ أربع مراتٍ خلال هذه الرحلةً وهو ما وفّقه حسب مقولاته.

ثم بدأ برحلته الثانية إلى بلاد الأندلس عام 1350م حيث مر بطنجة وجبل طارق وغرناطة قبل عودته إلى مدينة فاس.

وكانت رحلته الثالثة إلى السودان ومالي وغيرها من البلاد الإفريقيّة عام 1352م واستمرت هذه الرحلة عامين. واستطاع ابن بطوطة أن يكشف الكثير من أسرار المجتمعات خلال رحلاته مثل استخدام النقد في بلاد الصين، واستخدام الفحم الحجريّ.

حج بيت الله الحرام، وزيارة قبر الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام»، وبعد الاستفاضة في الحديث عن استعدادات الرحلة ومكابدة ترك الأوطان، نقع معه في فتنة تصوير المدن، تتحول عينه إلى عدسة فوتوغرافية، ولسانه إلى معلق على ما يقع في بؤرة هذه العدسة، وعقله إلى محلل لما يعن له من انطباعات، خطط ابن بطوطة لرحلة حج ربما تستمر بمعايير تلك الأيام لمدة ستة شهور فامتدت به إلى أربعة وعشرين عاماً.

في خط سير ابن بطوطة نرى تلمسان وبجاية ونمكث معه في تونس لمدة شهرين، وربما نفرح معه لزواجه الأول بفتاة من صفاقس، ثم نصل إلى الإسكندرية ونؤخذ بدهشته الأولى تجاه مشاهدته ل«عمود السواري»، أو تعليقه على نهر النيل «ليس في الأرض نهر يُسمى بحرا غيره»، ويأخذه الحس الديني السليم وهو يعلق على الأهرام مفنداً كل أسطورة تتعلق ببنائها أو احتوائها على علوم الأولين بالقول «ويزعمون»، وهو نفس الحس الذي يتكرر عند مشاهداته لطقوس تتنافى مع روح الدين وتتعلق بخانقاوات ومقامات الصوفية انتشرت في مصر المملوكية، وبعد مصر تتعرض الرحلة لبعض التعديل، ولكن ما يهمنا مشاهدات ابن بطوطة، ففي وصفه لبلاد الشام ما يجعلنا نفتح الخريطة حيث يبدو أنه حرص على تدوين كل الأماكن الواقعة في هذه البلدان، نتجول معه في حلب «المدينة الكبرى والقاعدة العظمى»، ووصف مفصل لقلعتها وحكايات عن المدينة يختلط فيها التاريخي بالأسطوري بالشعبي، أما مدينة اللاذقية «فيزعمون أنها مدينة الملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصبا»، وجبل لبنان «أخصب جبال الدنيا، ولا يخلو من المنقطعين إلى الله تعالى والزهاد والصالحين»، أما دير الفاروص وهو أعظم دير في الشام ومصر فيرحب بزواره من المسلمين والمسيحيين، وهنا تفوح الكتابة بجماليات أخاذة فمع ابن بطوطة «تحدق البساتين» في مدينة بعلبك وتمتلئ بها «الجنات المنيفة»، ويستمر الرصد وتتابع الرحلة لنسير معه إلى عكا «عكة» ولا ينسى سرد تاريخ الإمارة الصليبية القوية التي كانت فيها وكيف أزالها المماليك، ويشبهها بالقسطنطينية العظمى، ولا يغفل السرد صور وطبريا وطرابلس، ودمشق والجامع الأموي وجبل قاسيون.

الوصف المفصل والبوح الروحاني يدخره ابن بطوطة لمكة والمدينة، للمسجد الحرام والمسجد النبوي «من فضائل هذا المسجد أنه لا يخلو من قراءة القرآن أو الصلاة»، ولا يترك منمنمة في المدينتين المقدستين إلا ويحاول التفصيل فيها. في العراق يتحدث عن بغداد بحزن فاجع قائلاً «وهذه المدينة العتيقة.. فقد ذهب رسمها ولم يبق إلا اسمها، وهي بالإضافة إلى ما كانت عليه قبل انحناء الحوادث عليها والتفات النوائب إليها كالطل الدارس، أو تمثال الخيال الشاخص، فلا حسن فيها يستوقف البصر، ويستدعي من المستفز الغفلة والنظر، إلا دجلتها التي هي بين شرقيها وغربيها كالمرآة الجلوة بين صفحتين أو العقد المنتظم بين لبتين، فهي تردها ولا تظمأ»، ولا ننسى أن هذا الوصف لتلك المدينة البهية التي تعددت محاسنها في كتابات السابقين لابن بطوطة يأتي بعد أقل من قرن على تدمير الإعصار التتري للمدينة في عام 1258.

تكتسب الرحلة بعد ذلك إمتاعية خاصة نتيجة للخيال المحلق الذي يهيمن على السارد، فبعد وصف جغرافي واجتماعي لبلاد اليمن، يصف صيد اللؤلؤ في الخليج العربي ويسميه صيد الجواهر وهنا تختلط جمالية الوصف بسرد يصل في النهاية إلى الحصول على الجوهرة، المكافأة على المغامرة الخطرة. يتجه مسار الرحلة بعد ذلك إلى الشمال حيث المجهول والظلمة: «وكنت أردت الدخول إلى أرض الظلمة، والدخول إليها من بلغار، وبينهما أربعون يوما ثم أضربت عن ذلك لعظم المؤونة وقلة الجدوى، والسفر إليها لا يكون إلا في عجلات صغار تجرها كلاب كبار، فإن تلك المفازة فيها الجليد فلا يثبت قدم الآدمي ولا حافر الدابة فيها، والكلاب لها الأظفار، فتثبت أقدامها في الجليد ولا يدخلها إلا الأقوياء من التجار الذين يكون لأحدهم مئة عجلة أو نحوها، موقرة بطعامه وشرابه وحطبه، فإنها لا شجر فيها ولا حجر ولا مدر»، هي الأرض الخراب بتعبيراتنا هذه الأيام.

وبجوار تدوين عادات الأوزبك وجماليات مدينة القسطنطينية، تتلبس الرحالة مرة أخرى روح سندباد فكأنه يطل علينا من كتاب ألف ليلة وليلة وهو يحكي عن الرخ «ولما كان اليوم الثالث والأربعين، من رحلة بحرية، ظهر لنا بعد طلوع الفجر جبل في البحر، بيننا وبينه نحو عشرين ميلا، والريح تحملنا إلى صوبه. فعجب البحرية وقالوا لسنا بقرب من البر، ولا يعهد في البحر جبل، وإن اضطرتنا الريح إليه هلكنا فلجأ الناس إلى التضرع والإخلاص وجددوا التوبة، ونذر التجار الصدقات الكثيرة، ثم رأينا الجبل عند طلوع الشمس قد ارتفع في الهواء، وظهر الضوء فيما بينه وبين البحر، فعجبنا من ذلك. ورأيت البحرية يبكون ويودعون بعضهم بعضا، فقلت ما شأنكم؟، فقالوا: إن الذي تخيلناه جبلا هو الرخ. وإن رآنا أهلكنا. وبيننا وبينه إذ ذاك أقل من عشرة أميال. ثم أن الله تعالى منّ علينا بريح طيبة صرفتنا عن صوبه، فلم نره، ولا عرفنا حقيقة صورته». هنا يبتعد الوصف عن التورط في التأكيد الذي يتبعه بحرص بالغ مع حيوان الكركدن، ربما لتظل أسطورة طائر الرخ حية على مدار تلك الأزمان يضيف إليها كل رحالة جماليات خاصة من نسج الخيال في تلك الرحلة التي امتدت أربعة وعشرين عاماً وتضمنت معلومات جغرافية وتاريخية موثوقة وخيالات وحكايات عن الرخ ونساء بثدي واحد، وانبهارا بقدرة الصينيين «أعظم الأمم إحكاما للصناعات» على رسم الوجوه، لم يكن ابن بطوطة ذلك المشاهد من بعيد، ولكنه كان البطل الأول للرحلة، يقضي تسعة شهور في جزر المالديف ويتولى فيها القضاء ويتزوج ابنة ملكها، ويكرر الأمر نفسه مع أحد ملوك الهند، ولم يكن خوفه من الرخ وحسب بل تعرض للقراصنة في البحر وسُرق في بداية دخوله الصين، وفي طريق عودته إلى الديار عرف أن والده توفي منذ خمسة عشر عاماً، وأرعبه الموت الأسود، الطاعون، الذي اجتاح الشام، خلال تلك العودة، لم تكن رحلته تلك النقاط الملونة التي شملت: سومطرة والفلبين وفيتنام والتوغل في إمبراطورية السماء، الصين،.. إلخ، نقاط صامتة توضع على الخرائط لتظهر كيف تمكن رحالة في تلك الأزمان أن تتوافر له الجرأة وحب الاكتشاف ليمر على أماكن حُلمية بالنسبة إليه أو هامشية من منظور الدراسات الحديثة التي تبحث العلاقات بين الأنا والآخر على المستويات كافة، فما الذي كان يهيمن على وجدان وخيال هذا الرجل الذي يعلم أن والدته توفيت بدورها قبل وصوله طنجة ببضعة أشهر كي يقرر بعد أيام قضاها في طنجة الرحيل مرة أخرى.

رحلته الثانية كانت في غرب إفريقيا واستمرت لأربع أو خمس سنوات وزار فيها النيجر ومالي، وسار بحذاء نهر ظن أنه النيل ولكن تكشف له أنه نهر آخر، نهر النيجر، وهناك من يقسمون الرحلة الطويلة الأولى إلى عدد من الرحلات، ومن يتحدثون عن رحلات أخرى، ولكن يبدو أن هم الرجل الأول كان كما أخبر مدون رحلاته «لقد حققت بالفعل – ولله الحمد – رغبتي في هذا العالم، والتي كانت السفر حول الأرض، ونلت شرف ذلك الأمر الذي لم يسبق لإنسان عادي نيله».

ولم يكتف بعض دارسي وقارئي ابن بطوطة بتلك الامتاعية الفياضة التي تفصح بها كتبه، بل راحوا يرسمون الخرائط التي تتبع مسار رحلاته، ويضعون بعض التحليلات عن رؤية النخبة العربية للآخرين في ذلك الزمن، ومنهم من قاس المسافات التي قطعها، 75 ألف ميل، وهو ما لم يقطعه رحالة في العالم قبل اكتشاف النقل البخاري، ومنهم من درس انتشار الرحلات في الغرب وعدد طبعاتها وقدرتها على الإبهار، ولكننا لا نلتفت إليهم كثيراً أو نضعهم في المخيلة ونحن نقرأ ابن بطوطة ذلك الرجل الذي ترجم رحلته أو رغبته في الحياة على وجه الدقة إلى سردية عاشت على مدار عدة أزمنة، وكأن حياته توزعت زمنياً على حيوات مجموعة رحالة في الوقت نفسه، ومكانياً على خرائط رُسمت لاحقاً لتستوعب البلدان التي مر عليها أو عاش فيها، لقد كانت حياة ابن بطوطة رحلة بالمعنى الحرفي للكلمة، حيث تزوج وأنجب وخلف أبناء في عدة أماكن، وتولى بعض المناصب في بلدان، وعانى المرض في بلدان أخرى، وتعرض لخطر الموت، كانت الرحلة هي السيرة الذاتية أو البطولة الفردية في ذلك الزمن.

يضع ابن بطوطة العالم بين أيدينا، وهنا لا يمكن إلا أن نقع في فتنة ذلك القصص الذي يقص علينا مشاهداته عن فنون الرسم والعملة الورقية في الصين، وانطباعاته وهو يسير بحذاء نهر ظن أنه النيل حتى وصل إلى غابات إفريقيا، وأعياد الأوزبك بآسيا الوسطى، وحالات حرق البشر في الهند والعربات التي تجرها الكلاب في البلقان وغرائب جزر سومطرة… الخ، هو الرحالة المسحور القلق المسكون بالسؤال إزاء كل ما تقع عليه عيناه، المسلم التقي المحمل بثقافة تدفعه إلى رفض بعض العادات أو التعليق عليها بقلق، كل ذلك كان يخزنه في ذاكرته في القرن الثامن الهجري/‏‏ الرابع عشر الميلادي ليفتن الأزمنة اللاحقة.

إعداد وانجاز الأستاذ: الحسين البقالي

اترك تعليقك

Please enter your comment!
Please enter your name here