البطل الأسطورة محمد بن عبد الكريم الخطابي (الجزء الأول).

ماروك دايلي: خاص

مهما بدلنا من جهد لإبراز العمل العظيم الذي قامت بها المقاومة القبلية المسلحة سواء في الجنوب أو الشرق أو الغرب أو الشمال ، خاصة مع محمد بن عبد الكريم الخطابي، لمواجهة التحدي الاستعماري، فإننا لن نستوف الحدث حقه كاملا، فسجل هذا المناضل حافل بالأعمال البطولية التي قام بها هذا البطل المكافح، وهذه الأعمال تستوجب التكريم والتخليد وليس استغلال هذا الرمز في متاهات ليس له فيها دخل… فالواجب يفرض على الباحث التدقيق في محتوى وثائقه وأن لا يحمل لها ما لم تحمله، والتريث في الحكم على الأشياء ببراهين ودلائل واضحة، فالتاريخ ذو قدسية يحرم التصرف فيه حسب الأهواء والرغبات بالأحرى التلاعب فيه بتحويره وتحريفه كي يناسب المطلوب والمرغوب والمطبوخ لتبرير استنتاجات كاذبة تشك في نوايا هذا البطل، إن محمد بن عبد الكريم الخطابي رمز من رموز الكفاح الوطني الوحدوي، ففي زمن الوسوسة بالنعرات يجب أن نستمع إلى صوت الخطابي وهو يدعو إلى الارتقاء بفكرنا السياسي من نطاق الجزء إلى مستوى الكل، من الإقليمية الانعزالية إلى أفق الوطن الذي يستوعب الجميع، والذي لا غنى فيه عن أحد. ويكون بذلك قد جرع المستعمر كؤوس الحنظل وخصوصا في خططه الجهنمية، التي دامت من 1921 إلى 1926، وكانت كلها في مواجهة إسبانيا وفرنسا، وتميزت كلها أيضا بشراستها، وبقوة رهاناتها، ومعلوم أن أطول حروب الريف في العصر الحديث، وأكثرها عمقا تبقى هذه الحرب التي أخذت قسطا من الاهتمام، لأن تفاعلاتها ظلت متلاحقة ومستأثرة بالاهتمام حتى اليوم، ليس أقلها شأنا مسألة الغازات السامة التي تثير جوانب سياسية وقانونية وأخلاقية ما فتئت تسيل الكثير من الحبر.

ظروف المغرب في المشروع الاستعماري الأوربي وظهور المقاومة الريفية

تعرض المغرب خلال القرن التاسع عشر لمجموعة من الضغوطات الاستعمارية عسكرية واقتصادية ودبلوماسية ولكن رغم ذلك كانت مهاب الجانب، فلا أحد تناسى مختلف المعارك السابقة وأهمها واقعة “وادي المخازن” الشهيرة وكل المقاومة التي لقيتها محاولات احتلال ثغور مغربية على السواحل، شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر ميلادية أحداثا بالغة الأهمية بالنسبة لتاريخ المغرب. فبعد احتلال فرنسا للجزائر سنة 1830م أصبحت تسعى  إلى التوسع على حساب السيادة المغربية واتخذت لذلك عدة أسباب انتهت باصطدام الجيش المغربي بالقوة الفرنسية في معركة اسلي 1844م والتي أعقبها توقيع معاهدة الصلح المعروفة بمعاهدة للامغنية سنة 1845م وجعلت بنودها مبهما في ما يخص الحدود الجزائرية والمغربية. وذلك لكي يتسنى لها التدخل في التراب المغربي من الشرق. لقد طالب في ظل هذا الوضع المولى الحسن بتعيين الحدود، لكن كما يقول هوسير”فإن الممثلين تجاهلوا مقترحات تعيين الحدود سنة 1845م فقد كانت مصلحة فرنسا المحافظة على الغموض القائم”.. وفي نفس السياق تعرض الجزء الشمالي من البلاد لغزو اسباني سنة 1860م استهدفت منها اسبانيا فرض هيمنتها على جزء من التراب المغربي، وسياسة التغلغل الإسباني وفرض سيطرتهم على مناطق نفوذهم في الشمال المغربي مما أدى إلى بداية ثورة الريف في الإقليم الشرقي للشمال المغربي بقيادة الشريف “أحمد الرسيوني”…

في هذه الأجواء عقد مؤتمر “الجزيرة الخضراء” في 16 يناير 1906 للنظر في مصير المغرب كمستعمرة أوربية، وقد توافقت الدول الأوربية فيما بينها على تقسيم الكعكعة الاستعمارية، فكان المغرب من نصيب فرنسا وإسبانيا، واتخذت طنجة طابعا دوليا عبر حكم جماعي من قبل قناصلة الدول الكبرى…

غير أن استعمار فرنسا للجزائر منذ 1830 وسعيها للتوسع أكثر، ونجدة المغاربة لإخوانهم الجزائريين ودخولهم في مواجهة مباشرة مع الجيش الفرنسي، خاصة في معركة إيسلي بشرق المغرب في 16 غشت 1844م كشفت حقيقة الجيش المغربي الضعيف جدا، وهو ما تأكد كذلك في المعارك الخاسرة للدفاع عن تطوان سنتي 1859/1860، وحصول معاهدات مذلة للمغرب بعد ذلك، مجمل محتواها التدخل السافر في قضايا المغرب الداخلية، والتحكم في اقتصاده، إلى أن وقع المغرب معاهدة “الحماية” في 30 مارس 1912 في عهد السلطان عبد الحفيظ إثر محاصرة السكان لمدينة فاس، وبذلك دخل المغرب في عهد الاستعمار الفعلي والمباشر، وقد تسلمت اسبانيا شمال وجنوب المغرب، بينما فرنسا البقية.

لكن وجد المستعمرون مقاومة شرسة، تدخل ضمنها مقاومة الريف بزعامة محمد بن عبد الكريم الخطابي (1882م 1963م)، وإذا كانت قد توقفت هذه المقاومة مكرهة في 1926م، بعد تحقيقها انتصارات خالدة، فإن مقاومة الأطلس والجنوب المغربي بزعامة الشيخ أحمد الهيبة بن الشيخ ماء العينين استمرت إلى 1933م، لتتحول المقاومة بعدها إلى الجانب التنظيمي والسياسي، بخلق كتلة العمل الوطني سنة 1934م .

أنه منذ مطلع القرن العشرين، وتحديدا في الفترة ( 1907-1912) ، قاد الشريف محمد أمزيان مقاومة شرسة ضد الإسبان، وخاض عدة معارك ضد قوات الاحتلال حقق خلالها انتصارات باهرة، وظل صامدا في وجه الاحتلال إلى أن سقط شهيدا في ساحة الشرف والكرامة يوم 15 ماي 1912.

وجاءت مقاومة البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي كامتداد لهذه المقاومة الريفية في الزمان والمكان، حيث استطاع بفضل شخصيته القوية والمتزنة هيكلة حركة المقاومة سياسيا وعسكريا، لتشمل مناطق الشمال بكاملها، كما تميزت حركته عن سواها من الحركات التي واكبتها بالقوة والتنظيم والهيكلة والتخطيط المحكم.

حيـــــاتـــــه

عرف محمد بن عبد الكريم الخطابي بعدة أسماء وألقاب محليا ودوليا وارتبطت هذه الأسماء بفترات حياته ونضاله، إذ اشتهر في الريف بمولاي موحند، القائد موحند، السي موحند، ميس نسي عبد الكريم، الفقيه السي موحند، الرايس مولاي موحند، المجاهد الكبير، الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، واشتهر دوليا بعبد الكريم الخطابي وهو اسم والده الذي يعتمده عدد كبير من الباحثين. وأغلب الأسماء السابقة ارتبطت بجوانب من شخصيته ومهامه النضالية والإدارية.

مولاي موحند هو محمد بن عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الخطابي الورياغلي الريفي، ولد محمد بن عبد الكريم الخطابي – رحمه الله – سنة (1299هـ = 1881م( وأسرة الخطابي سكنت أجدير بالقرب من خليج الحسيمة أمام جزيرة النكور، وعرف عن هذه الأسرة تفوقها في الاعتناء وتربية أبنائها وتعليمهم واشتهر أفرادها بالعلم والسياسة وشغلوا مناصب القيادة والقضاء وأحسنوا التصرف أثناء مزاولتهم لمهامهم إذ عرف عنهم الإخلاص والصدق والأمانة، وتميزت هذه الأسرة بالترابط العميق بين أفرادها مما أهلها للتغلب على المشاكل والصعاب التي واجهنها سواء في الريف قبل وخلال الثورة أو بعدها في المنفى بجزيرة لا رينيون أو أثناء الإقامة في مصر. هذه الشخصية التي وصفها المؤرخ الإنجليزي فرنو بأنها لا تقل عظمة عن تشرشل وغاندي. وقد تعرضت مجلة لاروس الفرنسية في عددها الصادر في ديسمبر 1927 لشخصية هذا الرجل، وقالت إنه لم يسبق لأي ثائر كان «مهيبا بالقدر الذي كان عليه البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي فقد كانت له قدرة ومؤهلات للتنظيم والتناور لن يكون لها، لا محالة، مثيل لدى أي واحد من خصومنا المحتملين.

وبالإيمان العميق بعدالة القضية انبثق فكر خلاق، ابتكر فنونا عسكرية قلبت الموازين، وجعلت 140 بندقية تغلب جيشا كثيفا قوامه 25 ألفا، بل واندحر هذا الجيش. وقد ركز الزعيم الخطابي في عملية التثقيف الثوري التي قام بها لتعبئة المجاهدين وتوحيد الصفوف على التعاليم الإسلامية، والسيرة النبوية، وبذلك أمكنه التغلب على الفرقة وعلى شحذ العزائم وشحن المجاهدين بالطاقة اللازمة التي حققت الانتصارات.

وساهم التكوين العلمي المتنوع للزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي 1880 / 1963 حيث أرسله أبوه إلى جامعة القرويين بمدينة فاس لدراسة العلوم الشرعية واللغوية، وبعد تخرجه في الجامعة، اشتغل بالقضاء الشرعي، وفي الوقت نفسه عمل في تحرير جريدة «تلغراف الريف» وقد ساعد كل ذلك على تكوين شخصيته لمواجهة الاستعمار الإسباني والفرنسي.

وفي سن التاسعة والثلاثين حين قاد الزعيم الخطابي الجهاد في منطقة الريف، أهلته التجارب لمواصلة الجهاد، وإخراج الإسبان من البلاد، وفي تلك الأثناء كان الجنرال «سلفستر» قائد مليلية المحتلة، شرع في الزحف نحو منطقة الريف، ليحكم السيطرة عليها، وتمكن في بادئ الأمر من الاستيلاء على بعض المناطق إذ جهز أربعة وعشرين ألف جندي بالأسلحة والمدفعية، ولم تصادف هذه القوات في زحفها في بلاد الريف أي مقاومة، واعتقد الجنرال أن الأمر سهل واستمرت القوات الإسبانية في التقدم وتحقيق انتصارات صغيرة إلى أن احتلت مركز أنوال في 7 من رمضان 1339 ه / 15 مايو 1921م.

بعد ذلك بدأ رجال عبد الكريم الخطابي هجومهم وحاصروها، وأصبحت القوات الرئيسية، التي جمعها الإسبان في «أنوال» مهددة بعد أن طوقها رجال الريف، وحين حاولوا الانسحاب اصطدموا بقوات الخطابي في 16 من ذي القعدة 1339 ه / 22 يوليوز 1921 م في معركة حاسمة عرفت بمعركة (أنوال)، وكانت الهزيمة الساحقة للقوات الإسبانية، حيث أيد معظم الجيل المحتل، وأقر الإسبان بأنهم خسروا في تلك المعركة 16 ألف جندي، ووقع في الأسر 570 أسير، غير الغنائم من الأسلحة التي وقعت في أيدي المجاهدين. وفوجئ الفرنسيون خلالها بانتصار الخطابي على الإسبان وكانت فرنسا تخشى من أن يكون نجاح الخطابي في ثورته عاملا مشجعا للثورات في شمال إفريقيا ضدها. وفي أعقاب الهجومات المتكررة بالأسلحة الفتاكة على نساء وأطفال وشيوخ الريف، اضطر محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى الاستسلام للقوات الاستعمارية التي عملت على نفيه في سنة 1926 إلى جزيرة لاريننيون.

وفي سنة 1947 م قررت السلطات الاستعمارية نقله إلى فرنسا، وخلال عبور السفينة التي كانت تقله قناة السويس تمكن بعض شباب المغرب المقيمين في مصر من زيارته على متن السفينة، ورجوه أن يتقدم باللجوء إلى مصر ليواصل مسيرة الجهاد من أجل تحرير المغرب، فوافق على هذا الرأي شريطة أن توافق الحكومة المصرية على طلبه، وتمت حينها الموافقة على طلبه على الرغم من احتجاج السفير الفرنسي في مصر، وبدأ الخطابي عهدا جديدا من النضال الوطني من أجل تحرير بلاده، وأسس مع أبناء المغرب الكبير لجنة أطلقوا عليها «لجنة تحرير المغرب العربي»، تولى هو رئاستها في 25 من محرم 1367 ه / 9 من ديسمبر 1947 م.

4687900-7001823

ظل الزعيم عبد الكريم الخطابي مقيما في القاهرة، يتابع نشاط المجاهدين من أبناء المغرب الكبير المقيمين في القاهرة، ويمدهم بنصائحه وإرشاداته، حتى لقي ربه في 1 من رمضان 1382 ه / 6 من فبراير 1963 م والتاريخ يسجل أنه سيظل رمزا من رموز النضال العالمي.

ماروك دايلي: الأستاذ الباحث الحسين البقالي

اترك تعليقك

Please enter your comment!
Please enter your name here