البطل الأسطورة محمد بن عبد الكريم الخطابي (الجزء الثاني).

ماروك دايلي: خاص

معركـــــة أنـــــــوال

جرت أطوار معركة أنوال في موقع يعرف بأنوال، ومن هنا أخذت اسم معركة أنوال. لقد كانت معركة أنوال في يوليوز من سنة 1921 بمثابة الضربة القاضية للقوات الإسبانية بفضل الأسلوب المتطور على مستوى الفكر السياسي والاستراتيجي. وبعد مواجهات ضارية مع القوات الإسبانية، وصل قائدها العام الجنرال سيلفستر المعروف بحنكته العسكرية على رأس قوة عسكرية كبيرة لفك الحصار عن قواته، لكنه عجز واضطر إلى الانسحاب والتراجع إلى مليلية، فلاحقه المجاهدون بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي. وانتهت هذه المعركة الكبرى بمنطقة أنوال بانتصار ساحق للمجاهدين الريفيين، مما شكل ضربة موجعة لإسبانيا التي منيت بخسائر ثقيلة حيث قدر عدد القتلى بالآلاف من بينهم الجنرال سيلفستر، كما غنم المجاهدون أسلحة عصرية عديدة ومتنوعة. بعد هذه الهزيمة النكراء، تراجعت القوات الإسبانية الغازية وتمركزت بمدينة مليلية، بينما حظيت حركة المجاهدين بمساندة العديد من الهيآت والحركات التحريرية في العالم.

لقد أربكت الحرب الريفية حسابات الاحتلال الإسباني الذي اهتزت أركانه واضطر بذلك للتفاوض مع المجاهدين لحفظ ماء وجهه. وبالرغم من تحالف قوات الاستعمارين الإسباني والفرنسي، استطاع محمد بن عبد الكريم الخطابي وأتباعه الصمود في وجه قوات الظلم والطغيان لمدة سنة كاملة، دخل خلالها في مفاوضات معهما، فعقدت عدة اجتماعات مع القوتين المتنافستين، أسفرت عن قبول شرط إيقاف الحرب الريفية دون تسليم الأسلحة. وبعد أن تبين لهذا القائد أن هذه الحرب غير متكافئة بين الجانبين، فضل تسليم نفسه للاحتلال الفرنسي حقنا للدماء صبيحة يوم 26 ماي 1926. وتواصل نضال سكان الريف ضمن نضالات الحركة الوطنية المغربية التي قادها بطل التحرير جلالة المغفور له محمد الخامس رضوان الله عليه منذ اعتلائه عرش أسلافه الميامين سنة 1927، عبر محطات نضالية مجيدة إلى أن تحققت إرادة العرش والشعب بأفول عهد الحجر والحماية وبزوغ شمس الحرية والاستقلال.

وكان المجاهدون تحت قيادة أسد الريف بضع مئات منتشرة في كل موقع ولا يتعدى عددهم الإجمالي ثلاثة آلاف، في حين عد الجيش الإسباني المحتل بستين ألف جندي مدجج بأسلحة متطورة وفتاكة، ومع ذلك نجح المجاهدون الريفيون في دحرهم وسحقهم لما كانوا يتمتعون به من ثقة عالية في النفس ومن عدالة قضيتهم، وكذا من خبرة زعيمهم العسكرية. وفقد الإسبان حوالي 20 ألف بندقية وأربعمائة رشاش ومائة وثلاثين مدفع ميدان وذخائر أخرى مادية من آليات ومؤن وغيرها ونحو ألف أسير من مختلف الرتب العسكرية. كما فقد المحتل 15 ألف جندي ما بين قتيل وجريح. وتركت هذه المعركة آثارا سيئة على الإسبان ولم يستسيغوها، بل اعتبروها عارا لصق بشرفهم العسكري، مما حذا بهم إلى التحالف مع فرنسا واستعمال وسائل حربية دنيئة وغير متحضرة للانتقام ورد الاعتبار.

وتجرع الإسبان مرارة الهزيمة النكراء إلى أن دخلت فرنسا في الحرب في أبريل ,1925 حيث شكل دخولها منعطفا حاسما في سيرورة الحرب لما كانت تتوفر عليه من إمكانيات عسكرية ضخمة وتجربة حربية طويلة، واستطاعت تجنيد وتعبئة أعداد كبيرة من الجنود أغلبهم جلب من المستعمرات وصل عددهم 200 ألف مجهزين بأحدث الأسلحة وأفتكها. وكان جليا أن الحلف العسكري لدولتين استعماريتين إضافة إلى دعم بعض الدول الأوروبية بات هدفه الأساس هو القضاء على المقاومة الريفية التي استعصت عليهم، بل والتي كادت أن تحرر المغرب كله من الاحتلال. تروي ابنة المجاهد السيدة عائشة الخطابي كلمة عظيمة قالها والدها -رحمه الله- قبل تحقيق النصر في معركة أنوال الخالدة: “أنا لا أريد أن أكون أميرًا ولا حاكمًا، وإنما أريد أن أكون حرًّا في بلدي حر، ولا أطيق من سلب حريتي أو كرامتي”.

وجاء في مذكرات الجنرال ألفريدو كابانياس (مدريد 1922) ما يلي: >لم تعرف قط أرض المغرب ثورة شعبية تشبه ثورة الريف التي تزعمها ضدنا الزعيم عبد الكريم، حيث كان من المحال القضاء عليها لو لم يتم التفاهم بيننا وبين الفرنسيين وتتمكن الدولتان من تجهيز جيشين لم يكن يقل عدد جنودهما عن أربعمائة ألف جندي، في حين أن عبد الكريم لم يكن يتوفر على أكثر من أربعين ألف مقاتل<.

والجدير بالذكر أن حركة محمد بن عبد الكريم الخطابي قد استلهمت منها حركات تحرير متعددة أسلوب عملها ومقاومتها للاستعمار، خاصة معركة أنوال ضد الإسبانيين في 21 يوليوز 1921م، وبعد الهزيمة انتحر قائد الجيش الاسباني سفلستري ومات ضباط وجنود آخرون، يقول محمد بن عبد الكريم الخطابي عن نتائج المعركة: “ردت علينا هزيمة أنوال 200 مدفع من عيار 75 أو65 أو 77، وأزيد من 20000 بندقية ومقادير لا تحصى من القذائف وملايين الخراطيش، وسيارات وشاحنات، وتموينا كثيرا يتجاوز الحاجة، وأدوية، وأجهزة للتخييم، وبالجملة، بين عشية وضحاها وبكل ما كان يعوزنا لنجهز جيشا ونشن حربا كبيرة، وأخذنا 700 أسير، وفقد الأسبان 15000 جندي ما بين قتيل وجريح”، ولعل هذه النتائج كان لها مفعول الكارثة على الحكومة الإسبانية وعلى حركة الاستعمار عموما، كما كانت مشجعا على المقاومة وعلى توحيد القبائل في منطقة الشمال، وذيوع صيت الخطابي في المغرب كله، وقد وصل جيش الخطابي إلى مشارف مليلية المحتلة لكنه فضل عدم دخولها، وهو نفس الشيء الذي وقع بعد ذلك مع فاس العاصمة، أثارت انتصارات محمد بن عبد الكريم الخطابي خوف المستعمرين، فتحالفت فرنسا وإسبانيا للقضاء عليها، وتتحدث مصادر تاريخية عن ضرب الريفيين بالطائرات الحربية بشكل عشوائي، وقتل الأبرياء بشكل جماعي في الأسواق والقرى، بل استعملت القنابل الكيماوية ضد السكان في شمال المغرب، وأمام هول الخسائر الناجمة عن ذلك، فضل محمد بن عبد الكريم الخطابي وضع السلاح في 26 ماي 1926م، وتقرر نفيه إلى جزيرة لاريونيون “la réunion” إلى حدود سنة 1947م؛ ليستقر بعد ذلك في مصر، إلى أن توفي في 6 فبراير 1963م، وقد عاش إلى أن تحقق الاستقلال في 1956م.

إن لجوء إسبانيا إلى استعمال الغازات السامة، يوضح بجلاء طبيعة الحرب الاستعمارية القذرة التي شنت على أهل الريف كله، حيث استعملت مختلف الوسائل الدنيئة، مثل إحراق منتوجات القبائل وإلقاء القنابل على المقاومين، بل لم تفرق بينهم وبين الشيوخ من الرجال والنساء ولم يسلم منهم حتى الأطفال، كما لجأ الجيش الإسباني إلى تبني خطة الحصار الاقتصادي، خاصة في فترات الجفاف. بالضبط كما يفعل اليهود الصهاينة مع أهل فلسطين وما فعلته أمريكا مع ليبيا والعراق قبل فترة الاحتلال.

ولم يكتف الإسبان بكل هذا، بل لجئوا إلى الاستعمال المكثف للغازات السامة التي مازالت آثارها بادية على منطقة الريف إلى يومنا هذا. وقد أكدت هذا الأمر تقارير فرنسية صاغها المقيم العام الفرنسي ليوطي الذي يقول…  >لقد أشرت سابقا إلى الاستعمال المكثف الذي قامت به القيادة الإسبانية للطيران والتدمير الحاصل في المداشر والدواوير بأنجرة (منطقة في شمال المغرب) والناتج عن القنابل الجوية التي كانت في أغلب الأحيان محمولة بالغاز الخانق والغازات المسيلة للدموع ولم يكن بالطبع هذا الأمر مجهولا لدى الأمير الخطابي، بل سارع إلى توجيه نداء إلى الرأي العام الإسباني والأوروبي: >أيها الأحرار، في مقدرتكم أن تؤنبوا الحكومة الإسبانية التي استعملت الغاز الخانق، سيما على النساء والصبيان والبهائم. أعجزت إسبانيا عن المقاومة بغير الغاز الخانق؟. إن هذا يمس بكرامتها وكرامة الأمم المتحدة.. لهذا وإنني بصفتي قائدا عاما للجيوش العاملة في هاته الناحية، أحتج بكل قوة أمام الحق وأمام الدول الإسلامية والأوروبية<.

إن استعمال الغازات السامة ضد المقاومة الريفية أصبح اليوم حقيقة تاريخية تؤكدها وثائق وأرشيفات الدول الاستعمارية بالرغم من أن أغلبها مازال طي الكتمان والتعتيم، إضافة إلى بعض الكتابات المنصفة التي ظهرت مؤخرا تفضح بالأدلة الدامغة لجوء إسبانيا إلى أسلحة محظورة دوليا وتبرز التواطؤ الدولي على ذلك. ويعتبر كتاب: حرب الغازات السامة بالمغرب: عبد الكريم الخطابي في مواجهة السلاح الكيماوي للصحفيين الألمانيين رودبيرت كونز ورولف ديترمولر أول كتاب في هذا الموضوع، رغم الملاحظات التي أبداها حوله المؤرخ البريطاني سبستيان بلفور لكونه اقتصر على الأرشيف العسكري الألماني، إضافة إلى أنه تضمن العديد من المغالطات التاريخية.

أما الكتاب الثاني الذي ظهر منذ سنة فهو بعنوان: العناق المميت لصاحبه سبستيان بلفور المؤرخ البريطاني وأستاذ الاقتصاد بمعهد لندن. يؤكد فيه استعمال إسبانيا للغازات السامة ضد المقاومين، وهي المرة الثالثة، حسب رأيه، التي يتم فيها اللجوء إلى هذا النوع من الأسلحة المحظورة بموجب اتفاقيات دولية بعد الحرب العالمية الأولى وحرب بريطانيا على العراق سنة 1991م.

وكشف الباحث عن وثائق مهمة في هذا الصدد ممن بينها برقية مؤرخة في 23 غشت 1921م بعثها الجنرال ديما يوبير نغير المفوض الإسباني بمدينة تطوان شمال المغرب) جاء فيها:  >كنت دائما ضد استعمال الغازات السامة ضد هؤلاء الأهالي (يقصد أهل الريف) غير أنه بعدما حدث في معركة أنوال، أصبحت مع استعمالها بكل سعادة. ويشير بلفور إلى أن أحد المواقع عرف سقوط مائة قنبلة في ساعة واحدة. حيث كان وزن القنابل يتراوح ما بين 02 و 100 كيلوغرام يصل طولها إلى خمسة أمتار. واعتبرت قنابل غاز (الإيبرت) من أخطر الغازات التي استعملت آنذاك، حيث كانت معدة للانفجار قبل سقوطها حتى تصيب مساحة شاسعة. إضافة إلى استعمال غاز اللوست والموستازا والقنابل الحارقة والغازات المسيلة للدموع.

ماروك دايلي: الأستاذ الباحث الحسين البقالي

اترك تعليقك

Please enter your comment!
Please enter your name here