البطل الأسطورة محمد بن عبد الكريم الخطابي (الجزء الثالث والأخير).

ماروك دايلي: خاص

محمد بن عبد الكريم الخطابي والوحدة الوطنية

أن تلك الثورة التي قادها الخطابي تَجسّدت فيها الشخصية المغربية في تكامليتها التي يصنعها التمازج بين العروبة والإسلام. ذلك أن انصهار العرب والأمازيغ في فعل ثوري موحد، قد جسم الوحدة المغربية دائما طيلة مدة لا تقل عن عشرة قرون. وما كان ذلك إلا تعبيرا ملموسا عن العبقرية المغربية المتجلية في الوحدة ضمن التنوع، وفي كتاب حفريات العربي المساري في مشروع محمد بن عبد الكريم الخطابي نقتبس الفقرة التالية التي تَكَرَّر مضمونها عبر محطات عدة في فصول الكتاب، وجاء فيها أن محمد بن عبد الكريم كان نموذجا فذا لزعيم حداثي أنبتته تربة قروية. ولكنه مثل المتنورين في كل مرحلة من مراحل النضال الوطني، كان ينشد بناء مغرب عصري من أول مواصفاته أن يكون ديمقراطيا، كما حاولت جماعة الدستوريين قبل عقدين من الزمان في بداية القرن العشرين. وهذا ما يتجلى في محاولته تنظيم الشأن العام في المناطق التي كانت تابعة له بكيفية محكمة. (ص 149) المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي رحمة الله عليه رمز للأمة جمعاء فلا يمكن لهذا المجاهد أن يسعى إلى تحقيق الفتات في مشروعه، فهو بدون شك حامل مشروع وطني شامل وكامل، والدليل القاطع كما علمنا التاريخ هو لماذا تم نفيه و ترحيله واستبعاده إلى مصر ويعلم الله ما جرى في حقيقة الأمر، ولو رضي بفتات الدنيا لما نال منها الكثير ولكن لم يستجب للمستعمر وأعوانه وأتباعه وشرذمته لذا نال ما نال. فلا أحد يقبل أن تنطوي عليه مقولة أن المجاهد يسعى إلى الانفصال فهذا يتنافى مع سيرورة المجاهد كيف ما كان عبر التاريخ. فالريفيين فهم أكثر ارتباطا بجغرافية الوطن من غيرهم ، ومن المآثر التي سجلها التاريخ بحروف من ذهب بحق أسد الريف مولاي موحند في حربه، نذكر اعتماده على الموارد الذاتية والغنائم بدل انتظار المساعدات من جهات خارجية، حيت لم يكن هاجس الوصول إلى الحكم يشغل بال الخطابي، بل كان حريصا في مرحلة حشد الجماهير على إعطاء البرهان على نضاله من جل أبناء الريف، فاكتسب خطابه مصداقية عالية بين الناس والتف حوله المناصرون المخلصون المستعدون للموت في سبيل قضية الوطن، هؤلاء المقاتلون تميزوا بمهاراتهم القتالية، تحت قيادة شخص سباق للشهادة في سبيل القضية، وكانت النتيجة انتصاره الباهر في معركة أنوال عام 1339 للهجرة (1921 للميلاد)، وخسارة إسبانيا حوالي 15 ألفا من جنودها بين قتيل وجريح. أظهر عبد الكريم الخطابي مهارة رائعة في قتال الإسبان.

1437482371

أعاد الحوار الذي أجرته مجلة “زمان” مع نجلة الأميـر، عائشة الخطابي، مطلب نقل الرفات إلى الواجهة ودائرة الضوء، فقد كشف الحوار عن معطيات تخص “مفاوضات الحسن الثاني لنقل رفات والدها”. وفضلاً عن الدعوة التي كان قدّمها محمد الخامس لابن عبد الكريم قصد العودة إلى المغرب، فقد بادرت شخصيات سياسية أخرى إلى مفاتحة “المنفي” عن وطنه في الموضوع، كمحمد بن الحسن الوزاني –زعيم حزب الشورى والاستقلال- الذي ارتبط بمراسلات سياسية مع الزعيم الخطابي، ورئيس الحكومة آنذاك، عبد الله إبراهيم، زعيم الاتحاد الوطني للقوات الشعبيّـة، إبان زيارته إلى بلاد “الكنانة”. علاوة على السفير المغربي لدى مصر حينذاك، عبد الخالق الطريس، الذي كان رئيسا لحزب الإصلاح الوطني بالشمال، قبل أن يندمج في حزب علال الفاسي، ثم عبد الكريم الخطيب الذي اعتبرته عائشة الخطابي هو من لعب دور “الوساطة” بين الحسن الثاني والزعيم الخطابي، لكن رفض الأخير أوقف كل شيء. وبعد وفاة مُلهم حركات التحرر العالمي، حاول من جديد الملك الحسن الثاني أن يلعب على وتر إرجاع أو نقل رفات الأمير الخطابي من مصر على المغرب على متن طائرة خاصة.. وبالتالي فملوك المغرب كلهم طالبوا برجوع محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى بلده المغرب  عندما كان حيا ونقل جثمانه إلى المغرب عندما كان ميتا. أما عن سياسة الانفصال غير واردة عنده أن إنشاء “الجمهورية في الريف” هو ما ينادي به جلالة الملك محمد السادس اليوم الجهوية الموسعة، حيث فطن إليها محمد بن عبد الكريم الخطابي منذ ذلك الزمن لأنه متأثرا بالغرب في كل شيء “الفدراليات” في أوروبا. فمحمد بن عبد الكريم الخطابي يؤمن بالوطن الواحد بل يذهب بعيدا إلى الوحدة الوطنية والوحدة الإقليمية المغرب الكبير إلى الوحدة العربية والإسلامية…

محمد بن عبد الكريم الخطابي والأمازيغية

مولاي محمد بن عبد الكريم الخطابي الزعيم الأمازيغي المتمرد والمقاتل من أجل الحرية والتحرر، الذي تحلى بالحكمة والاحتكام للقانون والحق، عمل على سنّ قوانين تضمن حياة الناس وتؤكد على مبادئ المواطنة، مثل قوانين تجرم الانتقام والثأر. الخطابي المفجر الأول لحركات التحرر انتصر أخلاقيا وجسّد خلال رحلته أن قوة الحضارة أسمى وأبقى من حضارة القوة. ولما كانت رجالات المقاومة المسلحة كلها أمازيغية فإنها استعادت، كما رأينا، رمزيتهم وأعادت، من جهة أخرى، تشكيل شخصياتهم بما جعل منهم أبطالاً على المقاس.

أثيرت قضية تدريسه اللغة الأمازيغية في مدينة مليلية السليبة: وللوقوف عند هذا الحدث يمكن الإشارة إلى مداخلة في هذا الموضوع شارك بها محمد أونيا في ندوة حول «سؤال الأمازيغية» نشرت منذ مدة في إحدى المجلات، أكد فيها أن النص المرجعي الذي يستند عليه للقول إن محمدا بن عبد الكريم الخطابي كان يقوم بتدريس اللغة الأمازيغية بمليلية، وأن “طريقته التربوية”، قد كانت ناجحة ما دامت قد حققت الأهداف المبتغاة منها، هو أصلا عبارة عن رسالة جوابية كتبها الخطابي باللغة العربية إلى أحد تلامذته الإسبان بمليلية، ويدعى “أنخيل مونيوز بوسكي angel munoz bosque” الذي إليه يرجع الفضل في إنقاذ هذا النص- الوثيقة من الضياع، فقد أورد نسخة مصورة لأصلها العربي في كتيب له بعنوان: “al hucemas” (الحسيمة)، طبعة مدريد 1922. يقول النص الكامل للرسالة: (حمدا وصلاة، صديقي الأكرم سيد أنخيل مونيوز بوسكي، أراك تتقدم في تعلم اللغة الريفية ويسرني جدا أن أرى سيادتكم متمتعين براحة البال والسعادة والهناء والسلام. صديقك محمد بن عبد الكريم الخطابي).

لقد علق “بوسكي bosque” على هذه الرسالة بعبارة إسبانية يفهم من فحواها أن محمد بن عبد الكريم كان يعلم له الريفية بمليلية، أي قبل اندلاع الثورة الريفية (صيف1921)، الأمر الذي يؤكده أيضا تاريخ صدور هذا المؤلف. وجاء في مداخلة أونيا أن هذه الرسالة التي صدرت عن الخطابي توحي بأن تلميذه (كما تكشف لغة هذه الرسالة، من جهة أخرى، أن التلميذ (بوسكي) كان يجيد أيضا اللغة العربية الفصحى، وإلا فإنه لن يفهم جواب معلمه. بيد أن الإشكال الذي يفرض نفسه بوسكي) كان قد راسله بالريفية، وإلا كيف أمكن للمعلم (الخطابي) أن يقيس المستوى اللغوي والتعليمي لتلميذه علينا في هذا المجال، هو معرفة ما إذا كان «أنخيل مونيوز بوسكي» قد راسل معلمه (أثناء إحدى زياراته إلى أجدير من مليلية) بلغة ريفية مكتوبة بحروف لاتينية أم بحروف عربية، لأن كلا هذين الاحتمالين واردان مادام أن المتراسلين يتقنان معا اللغة العربية والإسبانية.

وفي كتاب آخر لنفس المؤلف- أي بوسكي- بعنوان: “manual de conversation berber rifena قد تمكن فعلا من هذه اللغة. كما أن عدم كتابته لكلمات وعبارات ريفية بغير حروف إسبانية، يعتبر حجة قاطعة على أن الكاتب لم يكن يكتب الريفية بحروف عربية وإنما بحروف لاتينية، أسوة بغيره من الأوربيين، كما فعل الفرنسي “بيارني biarnay”  مثلا عندما دون أشعارا وقصصا ريفية بحروف لاتينية.

ومهما يكن الأمر، فإن إقبال الإسبان على تعلم اللغة الأمازيغية، لم يكن مجرد صدفة أو استجابة لفضول علمي فردي برئ، إنما هو مشروع يندرج ضمن إستراتيجية توسعية» سلمية» قامت إسبانيا بالتخطيط لها منذ سنة 1904، أي سنة إبرام الاتفاق الودي بين بريطانيا وفرنسا والذي كان بمثابة الضوء الأخضر لحرية تصرف هذه الأخيرة في المغرب مقابل سكوتها عن الإنفراد البريطاني بمصر. وتصادف هذه السنة أيضا تاريخ إنشاء (البعثة العلمية بالمغرب) من الطرف اللوبي الاستعماري الفرنسي. وقد كان دور هذه المؤسسة» العلمية هو القيام بتمهيد وتغطية إيديولوجية (لسياسة التغلغل السلمي) الفرنسية في المغرب. واقتداء بهذه السياسة تحركت الأوساط الإسبانية المؤيدة للتسرب «السلمي» قي شمال المغرب. وهكذا، ففي سنة 1904 تقدمت» الجمعية الملكية للجغرافيا» بمدريد بمشروع أمام رئيس مجلس الوزراء الإسباني، داعية فيه إلى إعادة النظر في السياسة العسكرية التي تنهجها إسبانيا في المغرب الشمالي واستبدالها بسياسة التوغل السلمي. وذكرت أن عملية تدريس “اللغة الريفية” كما ورد في خطاب ابن عبد الكريم إلى صديقه وتلميذه » بوسكي» نظرا لما تدل عليه تقنية التعليم تلك من دلالة رمزية عميقة تكشف عن ميل طبيعي نحو إمكانية تدريس اللغة الأمازيغية بالإضافة إلى أن الخطابي شعر بفخر واعتزاز كبيرين وهو يرى » الآخر» يتقدم في تعلم» اللغة الريفية»، ففي ذلك ما فيه من الإحساس برد الاعتبار لهذه » اللغة» والارتقاء بها إلى عالم الكتابة. أما الهدف الآني والمباشر للاستعمار الإسباني من التفاته إلى أهمية تعلم الأمازيغية آنذاك، فلم يكن ليخفى عن المعلم/ الخطابي الذي كان يقرأ الأحداث والتحركات الإسبانية بعيون يقظة. وتساءلت عن فرادة تجربة تدريس اللغة الأمازيغية، بغض النظر عن طريقتها البيداغوجية، على يد عبد الكريم الخطابي الشاب دون أن تخلف آثارا عميقة في نفسيته من شأنها أن توقظ لديه تلك الرغبة الدفينة، التي يحملها كل» أمازيغي» ولما لا كل مغربي، عن شعور أو لا شعور، في أن يرى اللغة الأمازيغية لغة عالمة. كما أكدت هذه التجربة عن موقف جنيني لدى الخطابي من المسألة اللغوية والمسألة الثقافية الأمازيغيتين باعتبارهما جزءا لا يتجزأ من الثقافة المغربية الأصيلة. وبرهنت التجربة الخطابية هذه عن إمكانية وقابلية اللغة الأمازيغية للتقعيد والتدوين، ومن خلال ذلك يمكن اعتبار الجمع بين الثقافة العربية الإسلامية والثقافة الأمازيغية لدى المجاهد الريفي احتجاجا مسبقا ضد سياسة “الظهير البربري” الذي أعلنته فرنسا في المغرب سنة 1930. وبعد هذا وذاك، يمكن القول إن في تمسك الزعيم محمد بن عبد الكريم، وهو أمازيغي أصلا وفصلا (رغم تحفظات البعض) ملامسة لتدريس الأمازيغية الريفية أيام كان بمليلية، ما ينهض دليلا على أن إحياء اللغة والثقافة الأمازيغيتين اليوم، وإخراجهما من طور القوة إلى طور الفعل، لا يشكل أي خطر يهدد- كما يزعم البعض- الوحدة الوطنية المغربية.

إن أمير المجاهدين محمد بن عبد الكريم الخطابي نجح في تأسيس مدرسة نموذجية في الجهاد والكفاح، ليس فقط على المستوى العسكري، بل على مستويات أخرى شملت الدين والقضاء والصحافة والفكر والإدارة والدبلوماسية والسياسة… حتى أنه كان محط اهتمام الصحافيين الأجانب الذين كانوا يتكبدون عناء ووعورة الطريق للظفر بلقاء صحفي معه، إنه باختصار كان صاحب مشروع حضاري متميز. اعترفت له أشهر الأكاديميات العسكرية في العالم بأنه رائد حرب العصابات أو ما يصطلح عليه اليوم بالكوماندوز، بحيث أضحت نموذجا يحتذى به من طرف ثورات وحركات التحرر في العالم. ولا أدل على ذلك من الحديث الذي أدلى به الزعيم الصيني ماوتسي تونغ لوفد حركة فتح التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1791م قائلا لهم: “رفقائي الأعزاء، أتيتم تزورونني لكي أحدثكم عن حرب التحرير الشعبية، في حين أن في تاريخكم العصري يوجد ابن عبد الكريم الخطابي الذي هو من المصادر الرئيسية الذي تعلمت عنها حرب التحرير الشعبية”.  ومن هنا نؤكد ضرورة اشتغال المؤرخين على فترات حياته، حتى تتشكل الصورة الكاملة والحقيقية لهذا البطل الحقيقي.

المراجع المعتمدة

-الطيب بوتبقالت، عبدالكريم الخطابي “حرب الريف والرأي العام العالمي”، كتاب الشهر الرابع عشر، سلسلة شراع، أبريل 1997.

-لبيب عبد الستار، التاريخ المعاصر، دار المشرق، ط 3، بيروت، لبنان (من دون تاريخ).

-ندوة: “لجوء محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى مصر: الأبعاد والدلالات الوطنية والدولية”، (منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، 2005).

-“مذكرات الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي”، لروجر ماثيو، ترجمة: عمر أبو النصر، (منشورات العباسية، 2005).

-مجلات المقاومة وجيش التحرير -الصحيفة الأسبوعية (تحقيق جريدة الباييس الإسبانية حول حرب الغازات السامة). العدد 45 22 82 فبراير .2002

-الاتحاد الصباح. العدد 62 ,906 مارس .2002

-الاتحاد الأسبوعي. العدد 21 03 يونيو 6 يوليوز .2002

-مصطفى زيان باحث في تاريخ المقاومة الريفية…

-مجموعة من المواقع الاليكترونية: موقع هسبريس – موقع مغرس.

ماروك دايلي: ذ. الباحث الحسين البقالي

اترك تعليقك

Please enter your comment!
Please enter your name here