وحي القلم

تفاعلا مع نقاش لغة التدريس وتدريس اللغات: بعض النقط على بعض الحروف

عبد العزيز بن رزوق
لا أحد يجادل في ضرورة وأهمية اعتماد لغة تدريس موحدة ما بين المدرسة والجامعة، لكن من يظن أن تدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية سيعالج اختلالات التعليم، ويحسن مردوديته الداخلية والخارجية، فهو واهم. فهذا الادعاء لا مبرر علمي يفسره ولا مثال واقعي يسنده.

فعلميا لا وجود لدراسات علمية تؤكد أن سبب تدهور التعليم ببلادنا مرده إلى تدريس المواد العلمية باللغة العربية، أو دراسات تبرهن أن تدريس هذه المواد باللغة الفرنسية هو الضامن للتميز.

كما أن الواقع يشهد على أن اختلالات النظام التعليمي كثيرة ومتنوعة ومتراكمة لعقود من الزمن، والدراسات المبينة لطبيعة هذه الاختلالات كثيرة يمكن الرجوع إليها من بينها تقارير المجلس الأعلى للتربية والتكوين خاصة لسنتي 2008 و 2014، وإشكالية لغة التدريس وتدريس اللغات ما هي إلا قطرة في نهر من اختلالات منظومتنا التعليمية.

وجوهر المسألة اللغوية في تدريس اللغات أساسا؛ فالتلميذ المغربي، عموما، يحصل على البكالوريا ورصيده اللغوي لا يتناسب مع المدة الزمنية التي قضاها في دراسة مجموعة من اللغات (العربية، الفرنسية، الانجليزية، …). فلو تم إصلاح تدريس اللغات مناهجا وبرامجا وطرق تدريس وأطر مؤهلة … وتم ضمان التنوع اللغوي في تدريس مختلف المسالك بالتعليم العالي، لكان بإمكان الطالب المغربي أن يختار اللغة التي تناسبه وأن يدرس دون صعوبات مرتبطة بلغة التدريس ما بعد البكالوريا.

ومن الأمثلة التي تعزز هذا الطرح، أن العديد من تلاميذ الشعب العلمية الذين درسوا المرحلة الثانوية باللغة العربية، واختاروا بعد البكالوريا شعبا علمية أو تقنية، الاقتصاد نموذجا، سرعان ما يستأنسوا بالدراسة باللغة الفرنسية وقد يتفوقوا على زملائهم الذين درسوا المواد التقنية باللغة الفرنسية في المرحلة الثانوية. ومن الأمثلة الأخرى، نجد العديد من الطلبة ممن اختاروا الدراسة بالخارج، سرعان ما يندمجون في دراساتهم العلمية والتقنية بلغات أجنبية (التركية، الروسية، الاكرانية، …….) بعد سنة أو أقل من التأهيل للدراسة بهذه اللغة.

فعلينا أن نطرح السؤال التالي: لماذا فشل نظامنا التعليمي في إكساب تلاميذنا قدرات لغوية – بعد 12 سنة من تدريسهم اللغة الفرنسية – تؤهلهم للدراسة في الجامعة والمدارس العليا دون صعوبات؟! ولماذا يستطيع نفس التلاميذ الدراسة بلغات أخرى بعد بضع شهور من التأهيل؟!

من المؤكد أن الجواب ليس لأنهم درسوا المواد العلمية باللغة العربية، أو لأنهم لم يدرسوها باللغة الفرنسية، ففرنسا “الشقيقة” كانت ولازالت تستقبل سنويا عددا من الطلبة المغاربة ممن حصلوا على بكالوريا مغربية، معيارها الأساسي الرائز اللغوي TCF ولم تشترط بكالوريا خيار فرنسية، أو تدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية.

لكن المتحمسين للتدريس باللغة الفرنسية يحاولون إقناعنا أن هذا الخيار هو سبيل التميز والنبوغ، ولعل بلاغ الوزارة الأخير المتعلق بإعلان فوز تلاميذ مغاربة في أولمبياد الرياضيات بجنوب إفريقيا، يدخل في هذا السياق، فالإشارة “غير البريئة” إلى خيار فرنسية لا يمكن تفسيرها إلا بمحاولة توهيم الرأي العام أن هذا التتويج كان نتيجة حتمية لخيار التدريس هذا. وأظن أن هذا الاستغباء لن ينطلي على أحد، فتلاميذنا غالبا ما توجوا في مثل هذا المناسبات قبل أن يعرف ما سمي ب “المسالك الدولية للبكالوريا المغربية” والتي اتضح فيما بعد أنها ليست إلا خطوة أولى في مخطط الفرنسة الجاري تنزيله، وإلا فأين الخيارات الأخرى التي تم التبشير بها، أين هي على أرض الواقع؟! أين خيار الإنجليزية وخيار الإسبانية؟!

إن جوهر القضية ليس في لغة تدريس المواد العلمية بل في تدريس اللغات. فالتلميذ العلمي التوجه والميول والجانبية عادة ما يتميز في المواد العلمية، وإن درسها باللغة العربية، فهو يحصل على نتائج جيدة في الرياضيات والفيزياء … لكن نتائجه في مادة الفرنسية تكون عادة دون المستوى المطلوب وقدرته على التواصل بها ضعيفة، والحل ليس في تدريسه المواد العلمية بالفرنسية، بل في تحسين تدريس اللغات عامة وتنويع التدريس بها في التعليم العالي بما في ذلك اللغة العربية؛ فهذا هو الانفتاح الحقيقي وما دونه لف ودوار هدفه التمكين للغة “المستعمر” واستدامة التبعية له.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock