ثقافة وفنون

دراسات الدكتور جمال راشق إضافة نوعية للخزانة الباجوية

نظم مركز الحمراء للثقافة والفكر لقاء فكريا لمجموعة من الأعمال للدكتور جمال راشق حول الفيلسوف المغربي ابن باجة، وذلك مساء يوم الجمعة 30 مارس 2018 بقاعة المحاضرات الصغرى بدار الثقافة – الداوديات، حيث دار اللقاء حول الدراسات التالية: ابن باجة فيلسوف سرقسطة وفاس سيرة وأعمال، وابن باجة سيرة وبيبليوغرافيا، ورسائل فلسفية بين الحكيم والوزير، ترأس اللقاء الأستاذ أيت لعميم، وشارك فيه كل من الدكتور نور الدين الصوفي وعبد الصمد البلغيتي وألان نُفيست.

افتتح الجلسة الأستاذ محمد أيت لعميم مرحبا بجمهور المثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي؛ موضحا سبب الاهتمام بالفيلسوف الأندلسي المغربي ابن باجة – الرجل المتعدد – الذي يعتبر مؤسسا للفلسفة المشائية بالغرب الاسلامي، وكون هذا الفيلسوف عاش في فترة زمنية اتسمت بغياب الاستقرار الزمكاني؛ فقد كان لها تأثير على فكر الرجل ومساره في الأندلس زمن المرابطين.

 ويعد عمل الأستاذ جمال راشق، كما أوضحت كلمة مسير الجلسة الأستاذ محمد أيت لعميم، عملا رصينا ينتمي إلى مدرسة ابتدأها المستشرقون وتعمق فيها العرب، وهي السيرة البيبليوغرافية؛ سيرة أعمال الفيلسوف ابن باجة.

بعد ذلك سلم رئيس الجلسة إلى الأستاذ نور الدين الصوفي، متخصص في الفلسفة الأندلسية، ومهتم بالجانبين الشعري والموسيقي الأندلسيين، وهما الجانبان اللذان أطرا عنوان مداخلة الأستاذ نور الدين الصوفي: “شاعرية ابن باجة بين الشعر والموسيقى”، حيث انكبت مداخلته العلمية على كتاب ابن باجة فيلسوف سرقسطة وفاس سيرة وأعمال لجمال راشق، ومن خلال هذا العنوان يبرز الحضور المتعدد ما بين الموسيقي واللغوي والبلاغي، الشيء الذي يؤسس لحضور شعري متميز طالما نوه به الأقدمون وتنكب عن تأمله المحدثون، ودرس هذا المتن من خلال التوثيق والتعبير والتلحين، وعادة ما تحصر إنتاجات الفلاسفة في تصوراتهم العقلية، لذا نجد القليل من الدراسات أفردت لشعر الفلاسفة مثل الفارابي وابن سينا.

تطرق الأستاذ إلى مجموعة ملاحظات عن شعر ابن باجة منها: التحرج من رواية شعره  لما شاع من انحراف صاحبه، وضياع جملة من مصادر شعره وموشحاته، واهتمامه بالقول في آخر معرباته يوحي بخرجات الموشحات، ومشكل الانتحال، مع قلة اهتمام مترجمي ابن باجة من المحدثين وعنايتهم بشعره، وغياب أي مجهود لإضاءة هذا المتن… وغيرها، ليبقى عمل الأستاذ جمال راشق لحد الساعة أوفى وأدق تجميع لأشعار ابن باجة

كما أشار إلى الإجماع على شاعريته، وذلك راجع إلى حسن التصرف في معاني الشعر، وحسن الاختراع، والقدرة على توليد المعاني وتشقيق الأفكار…، كما أثار الحديث أيضا عن أغراضه وتنوع موضوعاته (مدح، وغزل، ورثاء، والغربة، والتغني بالأطر الجغرافية الموجودة في جزيرة العربز…)، ونبه إلى أن ابن باجة لم يكن من صنف المتكسبين، أو ممن يستغرقون في شعرهم ألوان التفلسف تأملا. ثم ختم حديثه عن موسيقية ابن باجة التي تجلت في الحركات الإيقاعية الأربع التي أصل لها ابن باجة، وهي: التصديرة/ الاستهلال، والموسع، والقنطرة، والتصريف، وهي المعتمدة في السنمفونية الموسيقية اليوم، وعن خروج الفيلسوف ابن باجة من جبة التنظير إلى التطبيق فهو مارس الموسيقى، وهذا يحسب له، مستشهدا بقول ابن رشد “أول ما يسرع فيه الفساد إلى المدينة هو الموسيقى، فإذا فسدت الموسيقى فسدت الأذواق”.

أما مداخلة الطالب الباحث عبد الصمد البلغيتي فقد قدم قراءة لكتاب ابن باجة سيرة وبيبليوغرافيا للأستاذ جمال راشق، مستهلا حديثه عن توثيق الكتاب وأقسامه السبعة، محاولا ابراز أهمية الكتاب من خلال نصوص – وزعها على الحضور- الأول باللغة الاسبانية مقدمة من ترجمة لتحقيق كتاب النفس صدر في 2007م، تحدث فيه Lomba Joaquin عن أهمية البيبليوغرافيا التي سوف ينشرها جمال راشق، والثاني ل Josep Puig أستاذ الفلسفة بمدريد نوه بالعمل في تصديره للكتاب، والثالث والرابع لكل من أحمد العبادي الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء، أحمد شوقي بنبين مدير الخزانة الملكية بالرباط اللذان نوها بهذا العمل، كونه جاء بإضافة قيمة إلى الخزانة الباجوية، وحددت جدته في نقاط من بينها: تتبع أثار الرجل في جميع الخزانات العالمية وتفحص المخطوطات بشكل مباشر، الإشارة إلى الترجمات العبرية لبعض تواليفه، تحقيقه لتصدير ابن الامام لمجموع تواليف ابن باجة لأول مرة عن مخطوطة برلين، إضافته لأقوال المشكوك في نسبتها لابن باجة، ويعد الكتاب جامعا مانعا لتراث ابن باجة.

والقسم الثاني من مداخلته خصصه لسيرة ابن باجة، المبثوثة في القسم الأول من كتاب الأستاذ ابن باجة، بحيث استقصى جميع ما كتب عنه في القديم والحديث، ولدى أصحاب الطبقات والأعلام، بل تتبع سيرته من خلال النصوص والأقوال ليستنبط الاشارات المساعدة في فهم حياته، مما يجعل ما دَوَّنَه الأستاذ جمال راشق أوفى ما كتب من ترجميات حول ابن باجة، وقد وقف عبد الصمد البلغيثي على مجموعة ملاحظات اجتهد في توضيحها وتقصي حقائقها، أولها أن تاريخ ولادة الفيلسوف ابن باجة مبهم، ولم يذكر في معظم المصادر القديمة، فكانت هناك بعض المحاولات في الكشف عنه، تمثلت في عمل المرحوم العلوي الذي حدده سنة 475ه، في حين حدده عابد الجابري في 470ه، وهو الأمر الذي استبعده عبد الصمد البلغيتي واقترح سنة ولادته 460ه استنادا لمجموعة حجج نذكر منها أن ابن باجة تلقي الاستنباط الهندسي في سنة 480ه مما يعني أن السن المناسب للتلقي قدره حسب الطالب عبد الصمد البلغيثي هو20 سنة.

ثانيا وفاته؛ الكل أجمع أن الرجل مات شابا لم يتكهل، في حين أن هذا الأمر لا يستقيم مع الخط الكرونولوجي لحياته المليئة بالأحداث، ثم أورد البلغيثي نصا من رسالة الوداع يخاطب فيه تلميذه والوزير ابن أمامة يقول: “قد تقدمت وسلكت من العمر القدر الذي بين سني وسنك” ليثبت أنه مات كهلا سنة 533ه.

ثالثا حاول الأستاذ جمال راشق تحديد سنة دخول ابن باجة لفاس، وحددها في 514ه وتقلد الوزارة مدة عشرين سنة أي إلى سنة وفاته، وهذا الأمر يشوبه الشك إذ وجد نص يدل على وجود الرجل بإشبيلية سنة 530ه، مما يعني أنه مكث في فاس ثلاث سنوات فقط.

أما مداخلة الباحث البرازيلي ألان نُفِيسْت، باحث متخصص في ابن رشد، فقد دارت مداخلته باللغة العربية حول “رسائل فلسفية بين الحكيم والوزير”، وأثار فيها جملة من المعطيات يتصل بعضها بغرض الكتاب، وإشكاليته، وكذا عنوان الكتاب… وغيرها، كما أبرز أهمية تلك الرسائل واختلاف العلماء حولها الاهتمام بها، خاصة أنها لم تذكر في الفهارس القديمة، من ثم أشاذ بجهود الأستاذ جمال راشق لأنه أول من حققها، وهي دراسة تدعو القارئ إلى البحث والمراجعة وتفتح أفقا جديدا للبحث للدارسين والباحثين.

وقبل الختام أعطيت الكلمة للمحتفى به الأستاذ جمال راشق، الذي استهل كلمته بالشكر للحضور، ولرئيس الجلسة الأستاذ محمد أيت لعميم، كما شكر نور الدين الصوفي لتصحيحه العمل وتقويمه وتخريج أشعاره، وشكر أيضا الباحث عبد الصمد البلغيثي، وعبر عن فخره بالآن نفينست لحديثه باللغة العربية، ثم تحدث بعد ذلك عن المشاريع المستقبلية التي تفقه إليها أثناء اشتغاله على أعماله السابقة التي لم تكتل بعد، ومن بين هذه المشاريع: مشروع داخل المختبر في مراكش بعنوان الأفلاطونية المحدثة في الثقافة الإسلامية في ثلاث حلقات، ومشروع وعد به الأستاذ أيت لعميم.

وختم الحفل الثقافي بتدخلات علمية من بعض الباحثين والمثقفين، قبل الانتقال إلى حفل توقيع على شرف الأستاذ جمال راشق، في انتظار لقاء جديد.

إنجاز: هدى روض – مراسلة: ياسين بن ايعيش

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock