غير مصنفنبض المجتمع

فاس:المؤتمر الإقليمي حول “الضمانات الاجتماعية والمهنية للقاضيات الإفريقيات، أي مقاربة ؟ ما بين 10 و12 أكتوبر 2019

كلمة السيد محمد عبد النباوي رئيس النيابة العامة

بسم الله الرحمان الرحيم
والحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه؛

بكل فخر واعتزاز نرحب بكم في هذا الحدث الإفريقي الهام الذي يجمع نخبة من قاضيات القارة بأرض اللقاءات، عاصمة المغرب العلمية فاس.
لقاء يحمل رمزية الزمان وخصوصية المكان.

فاليوم، 10 أكتوبر نخلد فيه كمغاربة الذكرى 16 لليوم الوطني للمرأة الذي أعلن عنه جلالة الملك محمد السادس نصره الله بخطابه السامي بمناسبة إقرار مدونة الأسرة المغربية الجديدة شهر أكتوبر من سنة 2003 كحدث مجتمعي كبير وتجربة عربية وافريقية رائدة ومحطة أساسية في مسار نضال المرأة من أجل حقوقها المشروعة.
أما المكان، فهو مدينة فاس التي تحتضن أقدم جامعة في العالم لا زالت عاملة إلى الآن بدون انقطاع، التي أسستها سنة 859م فاطمة الفهرية، إمرأة من بنات هذا الوطن وهذه القارة التي آمنت بقدراتها وبقضيتها من خلال بناء عقول تشع بنور المعرفة وتحارب الجهل والصور النمطية والأفكار الدونية التي كانت تعاني منها المرأة آنذاك بمختلف قارات العالم.
فمرحبا بكن أصحاب المعالي، قاضيات إفريقيا، ضيفات كريمات وزميلات عزيزات، وهنيئا لكن بهذا الإطار الدولي العتيد الذي يضم أكثر من 3000 عضوا ينتمون إلى 171 دولة تسعين من خلاله إلى تطوير منظومة حقوق الإنسان وتعزيز قدرات النساء القاضيات عبر العالم.
مع كل الشكر والثناء للسيدة رئيسة الاتحاد الدولي للنساء القاضيات والسيدة المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية والسيدة رئيسة فدرالية السلم والتنمية المستدامة والسيدة رئيسة اتحاد المرأة القاضية المغربية اللواتي أتشرف بالمساهمة إلى جانبهن في أشغال هذه الجلسة الافتتاحية، مع متمنياتي لأشغال مؤتمركن بالتوفيق والنجاح.
حضرات السيدات والسادة؛
لا شك أن إفريقيا التي ما فتئت تواصل الخطى للحاق بركب القوى الصاعدة أضحت اليوم في أمس الحاجة إلى مبادرات مبتكرة ومحددة الأهداف، وإلى جهود منسقة كفيلة بضمان الاستدامة لآثارها.
قارتنا مطالبة اليوم باستثمار كافة مؤهلاتها خاصة رأسمالها اللامادي وتثمين كفاءاتها لا سيما نسائها ممن يمتلكن المؤهلات والكفاءات والمهارات العالية.
وهنا لا بد من استحضار بكثير من الفخر ما حققته النساء القاضيات الإفريقيات من النجاحات الكبيرة التي لم تكن وليدة الصدفة ، بل نتاج ما أبانت عنه من تفوق واستحقاق وحضور قوي ومساهمة فاعلة في مختلف المحافل القضائية الوطنية والدولية خلال سنوات طوال لم تكن أبدا مفروشة بالورود.
لكن الأكيد أيضا أن رغم كل التقدم الملموس الذي عرفته وضعية المرأة القاضية الإفريقية مهنيا واجتماعيا فإن هذا المسار يبقى شاقا وصعبا في ظل بنيات سوسيو ثقافية واقتصادية تضع العديد من العراقيل وتفرض الكثير من الصعوبات تختلف درجاتها من بلد لآخر وتحد من التفعيل الأمثل للمساواة وتبطء من المسارات الطموحة لزميلاتنا قاضيات إفريقيا.
وهو ما يطالبنا جميعا كمنتظم دولي أو مسؤولين وفاعلين وطنيين إلى وضع التدابير الرامية إلى تثمين الأدوار التي تضطلع بها المرأة القاضية وجعلها في صلب مخططاتنا الإستراتيجية الوطنية بما يضمن تعزيز مكانتها الريادية في المجتمع.
ومن هنا فإننا نتطلع بكثير من الاهتمام إلى ما ستساهمن به في هذه التظاهرة الهامة من أفكار ورؤى وتصورات تساعدنا في بلورة الأجوبة المناسبة للإشكاليات الكبرى التي تعيق جهود المرأة القاضية بإفريقيا وتحد من مساهمتها كقيادية ومسؤولة وفاعلة في إنتاج العدالة.

إن إفريقيا التي تتحول اليوم، هي في حاجة ماسة إلى سلطة قضائية مستقلة ناجعة فعالة شفافة ومتطورة.
القضاء في إفريقيا اليوم يحتاج إلى إعطاء الفرصة لكل بناته و أبنائه بشكل منصف ومتساو من أجل ضمان نفاذ القانون وحماية الحقوق والحريات.

إن القسم الذي نؤديه والبذلة التي نرتديها جميعا تختفي ورائها هوياتنا وتلزمنا بنفس الأخلاقيات وتطالبنا قاضيات وقضاة بالتجرد من جنسياتنا وجنسنا وانتمائتنا الاجتماعية ومعتقداتنا الفكرية أو الدينية ، وتوحدنا جميعا من أجل التطبيق العادل للقانون والإخلاص في العمل والعناية بحل المشاكل والنزاعات بكل كفاءة وفعالية من أجل مستقبل واعد لقارتنا.

زميلاتي قاضيات إفريقيا؛
اسمحوا لي أن اقتسم معكن في هذه المناسبة مشاعر اعتزازي بالمسار المتقدم الذي تعرفه زميلاتكن قاضيات المغرب منذ تولي أول امرأة مغربية منصب القضاء سنة 1961 بعد خمس سنوات فقط من استقلال البلاد.
مسار لا يمكن فصله عن سياق التحولات الكبرى والأوراش الإصلاحية التي عاشها المغرب منذ اعتلاء الملك محمد السادس نصره الله العرش سنة 1999، حيث أصبح موضوع المرأة قضية وطن ومستقبل أمة.
لقد أعطت هذه المبادرات الملكية أهمية كبرى للمرأة المغربية من أجل ترسيخ مكانتها العالية وضمان حقوقها المشروعة إلى جانب الرجل بدءا بمدونة الأسرة ودسترة المناصفة والمساواة بين الجنسين وإخراج قانون يحمي النساء المعنفات وتمكين المرأة السلالية من حقوقها العقارية والمالية وفتح الباب أمام النساء لولوج مهنة العدالة لأول مرة بعدما كانت حكرا على الرجال وإصلاح قانون الجنسية والمصادقة على العديد من الاتفاقيات الدولية المرتبطة بقضايا المرأة وغيرها من المحطات الكبرى التي ساهمت في إقرار حقوق النساء بالمغرب.
وبفضل هذه المقاربات استطاعت المرأة المغربية اليوم أن تصل إلى أعلى مناصب المسؤولية في مختلف المجالات من مستشارة لجلالة الملك إلى وزيرات وزعيمات أحزاب سياسية وبرلمانيات وسفيرات وعالمات وخبيرات وإعلاميات ورياضيات وفنانات عالميات ومسؤولات عن مؤسسات ومنظمات وجمعيات وطنية كبرى.
نساء خلقن ثورة ناعمة في مجالاتهن وأبدعن في رسم لوحات للتميز والجدية والعطاء وانتصرن بتفوق على كل المثبطات والعوائق ذات المصادر المختلفة.
هذه الدينامية تظهر بوضوح أيضا في مسار القاضية المغربية التي تشكل حوالي 25% من مجموع قضاة المملكة.
مسار استطاعت من خلاله أن تتحمل أعلى مواقع المسؤولية القضائية والإدارية والجمعوية حيث تولى عدد منهن منصب عضوة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئيسة قطب ورئيسات لشعب ووحدات، وعين عدد منهن بالمفتشية العامة للسلطة القضائية كما تبوأت القاضية المغربية منصب عضو بالمحكمة الدستورية ومهام المسؤولية بالمعهد العالي للقضاء وبالإدارة المركزية لوزارة العدل وبعدد من الوزارات الأخرى فضلا عن رئاسة عدد من غرف وأقسام محكمة النقض.
كما أن عددا منهن رئيسات لمحاكم ابتدائية عادية وإدارية وتجارية ورئيسة أولى لمحاكم استئناف تجارية ووكيلات للملك ويترأسن مختلف الغرف والهيئات بالمحاكم حتى تلك التي كانت حكرا على الرجال وذلك دون أي تمييز في المهام أو الأعمال رغم كل الإكراهات المهنية والاجتماعية.
كما أثبتت القاضية المغربية جدارتها كقاضية للاتصال بعدد من الدول الأوروبية كاسبانيا وفرنسا وبلجيكا، وتولت مسؤوليات في منظمات ومؤسسات دولية وقارية لها مكانتها الاعتبارية الكبيرة.
كما يحق لنا بكل موضوعية أن نفخر بالتجربة المغربية المتفردة في مجال العمل الجمعوي المهني حيث نتوفر على جمعيتين خاصتين بالقاضيات، إضافة إلى المساهمة الوازنة لقاضياتنا في إدارة ورئاسة باقي الجمعيات المهنية الأخرى التي تسعى إلى تكريس الثقة وضمان كرامة القضاة ومكانتهن.
والأكيد أن امتداد طموحاتنا هو كسر كل الحواجز التي تقف في وجه تطوير المسارات المهنية لقاضياتنا وتعبيد الطريق أمام كل من أثبت جدارتها واستحقاقها بكل إيجابية وموضوعية.
أيتها القاضيات المغربيات؛
أنتن فخر أسرة العدالة وضميرها وواسطة عقدها؛
طموحكن حق؛
إرادتكن سلاح ؛
وكرامتكن واجب ؛
وتأكدن أنه جنبا إلى جنب سنبني مستقبلا أفضل للأجيال القادمة من نساء هذا الوطن.

الحضور الكريم؛
ستناقشن خلال مؤتمركن مواضيع كبيرة حساسة تثير أسئلة وإشكاليات عميقة ذات أبعاد مختلفة تواجهنا جميعا كأسرة قضائية افريقية موحدة بقيمها وآمالها وتطالبنا بأجوبة عملية موضوعية من أجل خلق فرص متساوية للمرأة تدعم تواجدها كعنصر أساس في إصلاح منظومة العدالة.
والأكيد أن قناعتنا جميعا اليوم أن المرأة من أهم مفاتيح التنمية والتقدم والعدل والكرامة والمساواة بإفريقيا.
إن لقاءا من هذا المستوى ومع هاته النخب المتميزة سيكون بكل تأكيد خطوة أساسية وفرصة جديدة لاكتشاف رؤى جديدة والتأسيس لعلاقات قوية بيننا من أجل تعاون جاد وفعال يخدم القيم الكبرى التي نِؤمن بها جميعا.
إن قارتنا تحتاج إلى مخططات إستراتيجية ومشاريع جادة توحدها آليات تنسيقية عملية واضحة تدعم التعاون والشراكة بين مختلف مكوناتها، وهو ما نحن حريصون عليه كمجلس أعلى للسلطة القضائية بالمغرب وستكون أبوابنا دائما مفتوحة أمام مبادراتكم واقتراحاتكم.
ولي اليقين أنه على امتداد أيام هذا الملتقى الدولي الكبير ستطلعون على تفاصيل أكثر دقة ليس فقط على المستوى القانوني والقضائي والحقوقي للقاضية المغربية وإنما أيضا على مستوى الأبعاد الإنسانية لهذا الوطن ، مغرب التنوع والثقافات والحرية والسلام.
وستؤكد لكم مدينة فاس بكل حمولاتها الوطنية والدولية مدى طموح المرأة المغربية في مواجهة تحديات المستقبل بقوة القانون ودولة المؤسسات وقيم المواطنة والمساواة والمناصفة.
فمرحبا بكن جميعا وكل المتمنيات لأشغالكن بالتوفيق والنجاح.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock