ثقافة وفنون

مركز عناية يراهن على الثقافة باعتبارها أسًّا للديمقراطية التشاركية

مراكش: ياسين بن ايعيش

نظم مركز عناية للتنمية والأعمال الاجتماعية لقاء علميا وازنا يوم السبت 17 مارس 2018 ابتداء من الساعة 16:00، حيث احتضنت القاعة الكبرى للمجلس الجماعي جيليز بشارع محمد السادس مجريات ندوة علمية في موضوع “اللغة العربية والعلوم البحثة بين جغرافية الانتماء وقتامة النسيان”؛ الذي يأتي ضمن برنامج الملتقى الثقافي الوطني السابع تحت شعار “الثقافة أس الديمقراطية التشاركية”، وهي دورة احتفائية بالفنان والباحث في التراث عبد اللطيف أيت بنعبد الله.

يأتي هذا اللقاء كما قالت السيدة رئيسة الجلسة الأستاذة فاطمة الزهراء اشهيبة ليؤكد مدى إصرار وعزيمة مركز عناية على الاستمرار في تأثيث فضاءات مراكش بمثل هذه اللقاءات العلمية، التي تتغيى السير بخطى ثابتة على صفو ذوي الطموحات الكبيرة، لهذا كان لقاء هذا اليوم على غراره من اللقاءات التي يحرص مركز عناية على تنظيمها، لقاء مع الأدباء والباحثين الجادين والمتميزين، بشراكة مع المجلس الجماعي بمراكشمن أجل بسط سؤال الانتماء.

 وحتى يكتمل تأثيث الفعل الثقافي بما يليق بالحضور، تم افتتاح الندوة بوصلة موسيقية من لدن فرقة “أرباب العزف الكوني” كما أحبت رئيسة الجلسة تسميتهم؛ وتقصد الأستاذ الموسيقي عبد الحق وردي، والضيف والفنان البولوني لوسيانو زوفسكي رفقة آلته “الستار” والطالب سعد بننات؛ إيقاعات عانقت من خلالها فرقة أرواح الحضور قبل مسماعهم.

بعد ذلك أخذ الكلمة الأستاذ مصطفى عيشان ، وجاءت مدخلته معنونة بـ”اللغة العربية بين التعريب والتغريب في المجتمع المنشطر”، مر فيها مما هو نظري مصطلحي إلى ما هو تطبيقي، وذلك من خلالحديثه عن العلم الذي أدخله إلى المغرب تحت مسمى “الهيدروجيوغرافيا” الذي يتصل باللغة، حيث توصل الأستاذ مصطفى عيشان إلى تقسيم ثلاثي للأجيال العربية؛ أولها هو الجيل الكلاسيكي الذي ارتبط باللغة العربية قبل الهجمة الاستعمارية، وثانيها الجيل المخضرم المتأثر باللغة الكلاسيكية، أما الجيل الثالث فهو الجيل الإلكتروني المُعَوْلَمْ الذي تأثرت فيه اللغة العربية بالعولمة، ومَثَّلَ لذلك بتأثير الفارسية، على سبيل المثال، في اللغة العربية فكلمة “أستاذ” مثلا فارسية الأصل، والصحيح في لغتنا هو “المعلم”، كما أشار إلى إمكانية حديثنا اليوم عن “جيل منشطر”؛ أي ذاك الذي أسهم في إرباك بنية اللغة العربية.

وقد أثار الأستاذ مصطفى عيشان كلاما حول اللغة في ارتباطها بالحياة العامة والحياة الاقتصادية، فضلا عن اعتبارها ظاهرة كونية؛ وهي حسب علم الاجتماع واقع كائن لها دور كبير في بناء المجتمع، إذ أن لكل مجتمع لغة يدافع عنها؛ ودواعي هذا الدفاع كثيرة من بينها: العاطفي والحضاري… وغيرها، وتكمن فوائد التعريب حسب الأستاذ مصطفى عيشان على سبيل المثال في ترسيخ علمية اللغة العربية بعد أن أكد عالميتها، وكذا بناء علاقات تفاعلية بين أبناء العرب، أما عن معضلات المثقف العربي في نظره فتكمن في النقل والاستهلاك، وهذا ما ذهب إليه العلامة محمد الجابري من قبل.

أما عن مداخلة الأستاذ مولاي علي الخامري فقد وقف من خلالها عند اللغة باعتبارها خاصة تهتم بالجوانب الداخلية التي تجمع بين بني البشر كلهم، وذلك بارتكاز مداخلته على لغة المعتمد بن عباد التي تحمل عواطف جياشة وتسلب الألباب، وبما أن عبقرية المبدع تكمن في قدرته على جعل اللغة تطاوعه وتسايره، فإن ابن عباد يعد من بين أبرز ممثلي هذا الاتجاه؛ حيث إنه تزوج بالشعر وبقي مخلصا له، فمثل بذلك أنموذج الإنسان الوفي  للغته الشعرية، كما أن المرأة كانت حاضرة بقوة في شعره، وهو في ذلك يقترب من أحد أهم أعلام الأندلس الذي كتب كتابا نادرا ما زال يُدَرَّسُإلى يومنا في الجامعات، في إشارة من الأستاذ مولاي علي الخامري إلى ابن حزم وكتابه “طوق الحمامة”، وما له من صدا في العالم الغربي أيضا.

في حين تأسست مداخلة الأستاذ محمد الجمالي على مدى إسهام العلماء العرب في بناء أنموذج حقيقي لتصورات مازالت تفعل فعلها حتى اليوم، من خلال بسطه لعنوان عريض وسم به مداخلته، وهو “اللغة العربية واللغة الفلكية ابن زاكور أنموذجا”، وقد استهل مداخلته بالقول الذي يجد في اللغة العربية توقيفا من عند الله كما صرح أبو حيان التوحيدي في كتابه “الامتاع والمؤانسة”، وهو ما تبث أيضا عند الخليل بن أحمد الفراهيدي وغيرهما. وبهذا تكون اللغة العربية حسب الأستاذ محمد الجمالي تكتسي خاصة وفرادة دون إثارة التفاضلات بين اللغات، وقد سبق من قبل أن دحض فيلسوف فرنسي سنة 1990 فكرة التفاضل بين اللغات.

وقد تبين الأستاذ محمد الجمالي أيضا أن اللغة العربية لغة علوم؛ فعلماؤها لم يتخصصوا في مجال معين، بل كتبوا في مختلف المجالات والتخصصات (الأدب، والفلسفة، والطب، والفيزياء، وعلوم، والرياضيات، والفلك…)، واستدل في كلامه من باب ضرب المثال بالفضاء المغربي؛ فالخزانة الملكية مراكش لوحدها تضم أزيد من 200 ألف كتاب علمي باللغة العربية. ومن ثمة نستشف أن اللغة مسكن للعلوم، وهي أداة للتفكير والتفكر والتعبير والتأملوما عدا ذلك، والانسان يستعملها ليعبر بها عن الظواهر التي تحيط به (الطبيعية، والعلمية…وغيرها)، وهذا ما بدا جليا في مؤلف ابنزاكور الذي تتبعه المحاضر، ليخلص في ختام مداخلته إلى كون العوز لا في اللغة العربية، وإنما في مستعمليها.

ثم أطلت في منتصف هذا اللقاء العلمي فرقة أرباب العزف من جديد، لتتكلم لغتها الخاصة، حيث لا لغة إلا لغة راقية شاعرية تجمع بين مختلف الأنماط والأهواء والثقافات…

وبعد ذلك استهل الأستاذ سعيد أخي مداخلته المعنونة بـ”اللغة العربية والتطور العلمي هل للمواكبة؟”، بحرقة تحدث فيها عن كون بعض اللقاءات التي تنظم بداعي الاحتفاء باللغة العربية من قبيل “اليوم العالمي للغة العربية” كانت وما تزال عاجزة عن الخروج من قوقعتها المظلمة، حيث إنها لا تنفك تذكر دائما إلى جانب لغة الضاد لغات أجنبية أخرى، وهذه الثنائية يرى أنها ظلت ترافق العربي منذ القدم؛ ما معناه أن مصيبة اللغة العربية في أهلها لا فيها.

أما عن العولمة والحداثة فيقول الأستاذ سعيد أخي لا يكفي أن نشرئب ونقف عند حدود مستحدات العولمة والحداثة، ونبحث عن مبررات لفشلنا، ولا يجب أيضا أن نبعث تراثنا العربي لنتخفى ونحتمي به، وإنما وجب علينا أن نجعله دافعا أساسا للتطور والتقدم، كيف لا؟ واللغة العربية هي من وضعت أس العلم، وما دام الأمر كذلك فأنَّا لنا اليوم أن ندعي كونها عاجزة على مواكبة العلم وهي صانعة له، ولعل التاريخ خير شاهد على ذلك.

ولم تبتعد المداخلة الأخيرة للأستاذ عبد المنعم حربول عن الطرح الذي تم تداوله في المداخلات السابقة، حيث سافر في مداخلته للإجابة عن قصة الانتقال من اللغة المعجمية إلى اللغة الشعبية، فقد جاء في معرض حديثه عن اللغة قوله: “الإنسان كائن لغوي لأنه يفكر ويعبر ويحلم باللغة…”، والاشكال لا يكمن في اللغة كما أسلفت المداخلات السابقة، ولكن هذه المرة، حسب الأستاذ عبد المنعم حربول، في ضبط العلاقة بين المُعَبَّرِ عنه والمُعَبَّرِ به؛ أي بين المعجم واللغة، وحتى يتضح تصور الأستاذ للحضور، ويدرك الكل جدوى اجتهاده، فقد انطلق من أنموذج تجربة أول شاعر عربي (امرؤ القيس)، تحديدا من خلال بيته الشعري المشهور (قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزلي…)، والذي قال إن الغالب فيه هي المكونات الإسمية الدالة على السكون والثبات،وقد بدا له أن الشاعر في الحقيقة يبكي على الحضارة الثقافية لا المرأة، في إشارة من المحاضر إلى أن أزمة الثقافة العربية لربما قد تكون قديمة المنبث.

وقبل الختام فتح باب النقاش الذي أبان من خلاله الحضور على أهمية وجدية الموضوع الذي تم تناوله في هذه الندوة، وكذا رصانة المداخلات التي ينتظر الكل نشرها بشغف؛ استزادةً للفائدة والاستفادة، ثم بعد ذلك اختتم النشاط بوصلة موسيقية، تلتها كلمة رئيس مركز عناية الإعلامي والشاعر مصطفى غلمان، ثم قُدِّمَت شهادات شكر وامتنان من لدن مركز عناية إلى الأساتذة المتدخلين، كما أبا فريق مركز عناية إلا أن يقدم هدية تذكارية للفنان البولوني لوسيانو زوفسكي ولزوجته؛ ترسيخا لمبادئ الاحترام والتقدير لصفاء عزفه وبهاء إطلالته الجميلة، ليتم بعد ذلك أخذ صور تذكارية على أمل اللقاء في اليومين المتبقيين من برنامج الملتقى السابع لمركز عناية (الأحد 18 مارس 2018 الساعة 10:00 و السبت 24 مارس 2018).

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock